عليه الأرض من أطرافها وأقطارها ، ويؤتى بنيانه من قواعده ، ويردّ اللَّه جيوشهم مفلولة ، وجنودهم مخلَّاة عن مراكزها ، مقموعا باطلها ؛ وليس مع ما ناله من سخط اللَّه جلّ وعزّ نازعا عن انتهاك محارمه ومآثمه ، ولا محدثا عن جائحة يحلَّها به إحجاما عن التّقحّم في ملاحمه الملبسة له في عاجل ما يرديه ويوبقه ، وآجل ما يرصد اللَّه به المعاندين عن سبيله ، النّاكبين عن سنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
وأمير المؤمنين - إذ جمع اللَّه له متباين الألفة ، وضمّ له منتشر الفرقة ، على معرفته بحربه وحزبه ، وعدوّه ووليّه ، ومن سعى له أو عليه ، أو أطاع اللَّه أو عصاه فيه : من واف ببيعة ، أو خاتر بإلّ وذمّة - [ جدير ] ( 1 ) أن يعمّ بجميل نظره كافّة رعيّته ، ويتعطَّف عليهم بحسن عائدته ، ويشملهم بمبسوط عدله وكريم عفوه ، وتقديم أهل الأفكار المحمودة ، في المواطن المشهودة ، بما لم تزل أنفسهم تشرئبّ إليه ، وأعينهم ترنو نحوه ، لتحمد عنهم عاقبة الطاعة ، ويعجّل لهم الوفاء بما وعدهم من الجزاء ، إلى ما ذخره لهم من حسن المثوبة ومزيد الشّكران . وأمر لفلان بكذا ، ولمن قبله من أهل الغناء بكذا ، وأمّن الأسود والأحمر ، ما خلا الملحد ابن الربيع ، فإنّه سعى في بلاد اللَّه وعباده سعي المفسدين ، والتمس نقض وثائق الدّين .
فجميع من حلّ مدينة السلام آمنون بأمان اللَّه ، غير متبعين بترة ( 2 ) ، ولا مطلوبين بإحنة ، فلا تدخلنّ أحدا وحشة منهم لضغينة يظنّ بأمير المؤمنين الانطواء عليها ، ولا يحملنّه ما عفا له عنه من ذنبه على [ خلاف ] ( 3 ) ما هو مستوجب من ثواب طاعته أو نكال معصيته ، فإنّ اللَّه جلّ وعزّ يقول : * ( ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ ) * ( 4 )
هامش
( 1 ) ساقط من الأصل . وزيادته ضرورية لأنه خبر المبتدأ أمير المؤمنين .
( 2 ) من قولهم : وتر فلانا يتره وترا ، وترة : قتل حميمه أو أدركه بمكروه .
( 3 ) الزيادة يقتضيها المعنى .
( 4 ) النور / 22 .