الأنصار بعد موت النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ليبايعوه ، وذهب إليهم أبو بكر رضي اللَّه عنه ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة ، وروى لهم أن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لا يصلح هذا الأمر إلَّا لهذا الحيّ من قريش » فرجعوا إلى قوله وبايعه عمر ، ثم بايعه الناس على ما تقدّم ذكره في الكلام على مبايعات الخلفاء في المقالة الخامسة ، وأنّ القائم فيها مجترم لا سيّما أوّل باد بذلك . ويقولون : إن الحقّ كان في ذلك لعليّ بالوصيّة . ويقولون : إن القيام على أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي اللَّه عنه ، وحصره في الدار كان واجبا لاعتقادهم عدم صحّة خلافته مع وجود عليّ رضي اللَّه عنه ، وإن المتأخّر عن حصره كان مخطئا . ويرون جواز التّقيّة خوفا على النّفس ، وأنّ عليّا رضي اللَّه عنه إنما تأخّر عن طلب الإمامة عند قيام من كان قبله بها تقيّة على نفسه ( 1 ) ويرون أنّ من أعان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه على الخلافة كان مخطئا : لبطلان خلافته بترتّبها على خلافة أبي بكر ووجود عليّ الذي هو أحقّ بها . ويزعمون أنّ الصّدّيق رضي اللَّه عنه منع فاطمة رضي اللَّه عنها حقّها من إرثها ( 2 ) من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تعدّيا ، وأنّ من ساعد في تقديم تيم بخلافة أبي بكر ، أو تقديم عديّ بخلافة عمر ، أو تقديم أميّة بخلافة عثمان كان مخطئا . ويزعمون أنّ عمر رضي اللَّه عنه لم يصب في جعل الأمر شورى بين بقيّة العشرة من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، لاستحقاق تقدّم عليّ على الجميع .
هامش
( 1 ) الكلام هنا غير دقيق . فالإمامية الاثنا عشرية يرون أن عليا لم يتأخر عن طلب الإمامة والمجاهرة بحقه ، وأنه إنما بايع الخلفاء الثلاثة قبله حفاظا على وحدة المسلمين وتقديرا لحداثة الإسلام في نفوس المسلمين ، ولم تكن التقية هي السبب في ذلك . أما التقيّة فإنها وسيلتهم في الدفاع عن الذات في وقت يكونون فيه ضعفاء وفي زمن حاكم جائر . وهم لا ينعتون الخلفاء الراشدين الثلاثة بالجور ، وبالتالي فإن الإمام علي بن أبي طالب لم يكن مضطرا للتحصن بالتقية ، خاصة إذا علمنا أنه كان يشارك الخلفاء قبله برأيه وتوجيهاته التي طالما أشار إليها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب .
( 2 ) الإشارة هنا إلى « أرض فدك » التي استرجعها أبو بكر الصديق إلى بيت المال بحجة أن الأنبياء لا يورّثون . وفي أرض فدك روايات متعددة مختلفة . انظر في ذلك فتوح البلدان : 33 - 34 - 35 - 36 - 37 - 38 .