عارض الخطب ودائه ، ونطقت بفضله ألسن حسّاده فضلا عن ألسنة أودّائه ، وسخت الملوك بأنفسها أن تكون فداء له إذا حوّزها المجد في فدائه ، الذي ذخره اللَّه لأمير المؤمنين من آدم ذخيرة ، وجمع له في طاعته بين إيقاظ البصيرة وإخلاص السّريرة ، وفضّلت أيامه على أيّام أوليائه بما حلَّاها من جميل الأحدوثة وحسن السّيرة ، وسهّل عليه التّقوّي في المنافع والعكوف على المصالح ، وأجنى من أقلامه ورماحه ثمرات النّصائح ، وفاز بما حاز من ذخائر العمل الصالح بالمتجر الرّابح ، وألهمه من حراسة قانون الملك ما قضى بحفظ نظامه ، ولم ينصرف له عزم إلا إلى ما صرف إليه رضا ربّه ورضا إمامه .
ونفذت أوامره بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجل إلى الديوان الفلانيّ بإقطاعه الناحية وما معها منسوبا إليها وداخلا فيها لاستقبال [ سنة ] كذا ، منحة سائغة ، لا يعترضها التكدير ، ونعمة سابغة ، لا ينقضها التّغيير ، وحباء موصول الأسباب ، وعطاء بغير منّ ولا حساب ، يتحكَّم فيه على قضايا الاختيار ، وتنفذ فيه أوامره الميمونة الإيراد والإصدار .
ومنها - أن يفتتح السّجلّ بلفظ : « إنّ أمير المؤمنين » ويذكر من وصفه ما سنح له ، ثم يذكر حكم الإقطاع ، وكيفية خروجه .
وهذه نسخة سجلّ من ذلك كتب به لبعض وزرائهم ، من إنشاء القاضي الفاضل ؛ وهي :
إنّ أمير المؤمنين لما أطلق اللَّه يد برّه من أميال تبدو على الأحوال شواهد آثارها ، وتروض الآمال سحائبها بسائب مدرارها ، وتتنزّه مواعدها عن إنظارها ، ومواردها عن أن يؤتى بأنظارها ، ويقوم بناصرها فيكون أقوى أعوانها على الشكر وأنصارها ، وألهمه من مواصلة المنن التي لا تنقطع روايتها ولا تتناهى مراتبها ، وموالاة المنح التي تهبّ على جناب الخير شمائلها وجنائبها ، وتلتقي في مسارح المدائح غرائبها ورغائبها ، وحبّبه إليه من انتهاز فرص المكارم في الأكارم ، وابتداء المعروف وابتدار مغانمه التي لا تعقبها مغارم - يولي آلاءه من يجزي عن
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 143
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص١٤٣