بالكلمة محلَّها ، ولا يؤاخي بالقرينة إلا شكلها ، ولا يسمح بمخاطبة إلا لمن تعيّن لها ، ولا يعامل بالغلظة إلا من استوجبها ولا يخصّ بالحسنى إلا أهلها ؛ نأمره بالتّهويل فيزلزل قواعد العدوّ ، ونشير إليه بالتهوين فيفيد مع بقاء المهابة الهدوّ ؛ وقد رضيناه حقّ الرضا ، وأضربنا به عمّن بقي من أكابر الكتّاب ونسينا من مضى ، وتعيّن علينا أن نحكم له بهذا الاعتبار ونحمله على هذا المقتضى ، وأن نطلعه في سماء دستنا الشريف شهابا أضا ، وأن نقلَّده مهمّا ما زال هو القائم بتنفيذ أشغاله ، والساعي بين أيدينا الشريفة في تدبير مقاصده وجملة أحواله ، إلى ما له من بيت ( 1 ) أثّلوا مجده ، وأثّروا سعده ، وأرّثوا عندنا ودّه ، وبنى كما بنوا ، واجتنى من السّؤدد ما اجتنوا ، ورمى في خدمة الدّول إلى ما رموا ؛ إلا أنّ مذهبه في البيان أحلى ، وأسلوبه أجلى ، وقيمة كلامه أغلى ، وقدحه في الكمال هو المعلَّى ، وأدبه بحمد اللَّه قد لحظته سعادة أيّامنا الزاهرة فما فيه لوّ ( 2 ) ولا لولا ؛ سوى أنه اتّفق معارض ( 3 ) اعترض بين السّهم والهدف ، وسفه نفسه فوقف في مواقف التّلف ، ودقّ عنه شأن كاتب السر فسقط من حيث طمع في السّقوط وما عرف ، ورام الدّخول بين
هامش
( 1 ) لقد تولَّت أسرة فضل اللَّه العمري ديوان الإنشاء لأكثر من قرن من الزمان ، وذلك في دولتي المماليك البحرية والبرجية . وقد شغل أفراد هذه الأسرة هذه الوظيفة عن جدارة أدبية . وكان أولهم القاضي شرف الدين ، عبد الوهاب بن فضل اللَّه ، وآخرهم القاضي بدر الدين ، محمد بن محيي الدين بن فضل اللَّه .
( 2 ) لو : حرف تقدير معروفة . واللَّوّ : الكلام الخفيّ والباطل . ويقال : « إياك واللَّوّ ، فإن اللَّوّ من الشيطان » ، يريد النهي عن قول المتندم : لو كان كذا لقلت كذا أو لفعلت كذا .
( 3 ) الظاهر أن هذا التقليد كتب عن الملك الناصر محمد بن قلاوون . وقد كان العمري معززا مكرما لديه ، ولم ينتقص من هذا التكريم ما كان يحاوله بعض الوشاة الحاسدين . والظاهر أن مكائدهم قد نجحت بعد موت الناصر ، إذ ما لبث ابن فضل اللَّه العمري أن اعتزل ديوان الإنشاء في بداية عهد السلطان الجديد ، وهو الملك المنصور سيف الدين أبو بكر ، ابن الناصر قلاوون ، الذي تولى السلطنة على أثر وفاة والده سنة 741 ه ، في أواخرها . وإلى هذا الأمر يشير العمري في مقدمة كتابه « التعريف » .