الملك وبين يده ، وبين اللَّسان وما يحدّثه به الضمير من حقيقة معتقده ، والاطلاع على ما لو لم يكن للإنسان لما أداره في خلده ؛ والتعدّي بما ليس له من لفظه متوقع ، وسرى في مسرى لو طمح إليه طرف السّها لتقطَّع ؛ وما علم أنّ كاتب السر هو مستودع الخبايا ، ومستطلع الخفايا ، وقلمه ( ابن جلا وطلَّاع الثّنايا ) ، وفي استمداده يعرف بالمنى ويرعف بالمنايا ، وله الكتابة والتوقيع ، والتصرّف فيما للتنفيذ من التحسين والتّنويع ، وغير ذلك من التفريق والتجميع ، والتأصيل والتفريع ، والترغيب والترهيب والتأمين والتّرويع .
ولما دلّ ذلك المعترض بإكباره ، وأطال المطار في غير مطاره ، وقال الناس إنّ أبوابنا العالية جنّة حفّت من سوء أخلاقه بالمكاره ، رمينا به من شاهق ، وأبعدناه لآخرته أزهد ما هدر من تلك الشقاشق ( 1 ) ؛ وتقدّمنا بإنشاء هذا التوقيع الشريف تقوية لكاتب سرّنا الشريف في تصريفه ، وبيّنّا أنه لا يقاس به أحد فإنّه لسان السلطان ويده وكفى بذلك دلالة على تشريفه .
فرسم بالأمر الشريف العاليّ ، المولويّ ، السلطانيّ ، الملكيّ ، الناصريّ - لا زال إذا عزم صمّم ، وإذا بدأ المعروف تمّم ، وإذا استخار اللَّه في شيء رضي بخيرته وسلَّم - أن يستقلّ المجلس العاليّ ، القضائي ، الشّهابيّ « أحمد بن فضل اللَّه » المشار إليه بصحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة : رفيقا لأبيه المجلس العاليّ ، القضائيّ ، المحيويّ :
ضاعف اللَّه تعالى نعمته وبركته في المباشرة ، وشريكا بل منفردا ليقوم معه ودونه بما قام به من كتابة باطنة وظاهرة ، استقلّ كلّ منهما بها فيما بعد وقرب مما يضمّه نطاق الدولة القاهرة مع ما هو مستقرّ فيه من كتابة السر الشريف ،
هامش
( 1 ) في خطبة لعلي بن أبي طالب : « تلك شقشقة هدرت ثم قرّت » ؛ والشقشقة لهاة البعير . وتقال للكثير الكلام الذي يدخل فيه الكذب . وفي حديث عليّ ، رضي اللَّه عنه : أن كثيرا من الخطب من شقاشق الشيطان . والمراد تلك التي يخالطها الكذب . والهدر للبعير . ( انظر اللسان : 10 / 185 ) .