تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تملأ الصّحف بحسناتها ، وتملَّي الوجوه بالأنوار في توجّهاتها ، وتلوح من سماتها سيمياء ( 1 ) لا تشقّ على الأبصار في توسّماتها ، وتفخر برقمها الأقلام بأنه لا طعن في اعتدال حركاتها ، على الرّماح في اعتدال قاماتها ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أدّى الرسالة بما تحمّله من أماناتها ، ورعى العهود لمن أخلص في مراعاتها ، ودعا الأمّة بإذن اللَّه إلى سبيل نجاتها ، واستأمن على الوحي كتّابا سبقوا في السّعادة إلى غاياتها ، وبلَّغوا عنه السّنّة بإباناتها والسّور وآياتها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه فرسان البلاغة ورواتها ، وحفظة الأسرار وثقاتها ، وصاغة المعاني في الألفاظ الغرّ بنفثاتها ، وأولي الأحلام التي لا تطيشها وقائع الدهر بروعاتها ، ولا تذهلها عن الأوراد في أوقاتها ، وتلقّي الوفود بأقواتها ، والأخلاق التي اتّسع نطاقها في تصرّفاتها ، وامتنع حجابها أن تتخطَّاه الخدع بهفواتها ، صلاة تزيد الأعمار بزكاتها ، وتزيّن الأعمال ببركاتها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ الملك عمود بناؤه بسرّه وارتفاعه بالتأسيس لمستقرّه ، وامتناعه بعد العساكر المنصورة بكاتب يخاتل العدوّ في مكره قبل مكرّه ، ويقاتل في الحرب والسّلم بنفّاذ رأيه ونفّاث سحره ، ويقابل كلّ حال بما يحسن موقعه من صدمه بصدره أو صدّه بصبره ، وينظر في العواقب نظر البصير بأمره ، الواعي لاحتيال عذره قبل اختيال الباغي في غدره ؛ إذا جادل فبالحجّة البالغة ، وإذا جاوب أبطل الأهوال الزّائغة ، وإذا أمرنا بالعدل والإحسان سيّرهما عنّا كالشمس البازغة ، وملأ بهما حبّا لنا القلوب الفارغة ؛ وقد جرّبنا على طول المدى كتّابا ، وانتخبنا منهم كثيرا ارتضيناهم أصحابا ، ومارسنا جماعة ازددنا بهم إعجابا ، ورأينا طوائف فيهم من إن أجاد اجتناء لزهرات القول حاد عن الجادّة اجتنابا ، وإن كلَّف نفسه مذاهب الكتّاب أخلّ بمقاصد الملوك إن كتب عنهم كتابا . ولم نظفر بمن تمّت فيه الشروط المشروطة ، ومتّ بالدائرة المحيطة إلى
هامش
( 1 ) يقال : السيماء والسيمياء ، وهي العلامة .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 293 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين