تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
بها موازين للأولياء ثقلت وموازين للأعداء خفّت ، كم أجرت من وقوف ، وكم عرفت بمعروف ؛ كم بيوت عبادة صاحب هذه البركات هو محرابها ، وسماء جود هو سحابها ومدينة علم هو بابها ؛ تثني الليالي على تغليسه إلى المساجد في الحنادس ( 1 ) ، والأيام على تهجيره لعيادة الفقراء وحضور الجنائز وزيارة القبور الدّوارس ؛ يكتنّ تحت جناح عدله الظاعن والمقيم ، وتشكر مبارّه يثرب وزمزم ومكَّة والحطيم ؛ كم عمّت سنن تفقّداته ونوافله ، وكم مرّت صدقاته بالوادي - فسّح اللَّه في مدّته - فأثنت عليه رماله ، وبالنادي فأثنت عليه أرامله ؛ ما زار الشام إلا أغناه عن منّة المطر ، ولا صحب سلطانه في سفر إلا قال : نعم الصاحب في السّفر والحضر . ولما كان المنفرد بهذه البركات هو واحد الوجود ، ومن لا يشاركه في المزايا شريك وإنّ الليالي بإيجاد مثله غير ولود ، وهو الذي لو لم نسمّه قال سامع هذه المناقب : هذا الموصوف ، عند اللَّه وعند خلقه معروف ، وهذا الممدوح ، بأكثر من هذه الممادح والمحامد من ربه ممدوح وممنوح ، وهذا المنعوت بذلك ، قد نعتته بأكثر من هذه النّعوت الملائك ؛ وإنما نذكر نعوته التذاذا ، فلا يعتقد خاطب ولا كاتب أنه وفّى جلالته بعض حقّها فإنه أشرف من هذا ؛ وإذا كان لا بدّ للممادح أن تجول ، وللقلم أن يقول ، فتلك بركات المجلس العاليّ ، الصاحبيّ ، السيّديّ ، الورعيّ ، الزاهديّ ، العابديّ ، الوالديّ ، الذّخريّ ، الكفيليّ ، الممهّدي ، المشيّديّ ، العونيّ ، القواميّ ، النّظاميّ ، الأفضليّ ، الأشرفيّ ، العالميّ ، العادليّ ، البهائيّ ، سيد الوزراء في العالمين ، كهف العابدين ، ملجأ الصالحين ، شرف الأولياء المتّقين ، مدبّر الدول ، سداد الثّغور ، صلاح الممالك ، قدوة الملوك والسلاطين ، يمين أمير المؤمنين ، عليّ بن
هامش
( 1 ) التغليس هو السّير في الغلس . والغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح . وفي الحديث أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يصلَّي الصبح بغلس . والحنادس : جمع حندس ، وهو الليل الشديد الظلمة . والحنادس ثلاث ليال في آخر الشهر .