تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
سرّها وشدّ أزرها عليّا ، ورضي لها من لم يزل عند ربّه مرضيّا . نحمده على لطفه الذي أمسى بنا حفيّا ، ونشكره على أن جعل دولتنا جنّة أورث تدبيرها من عباده من كان تقيّا ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة نسبّح بها بكرة وعشيّا ، ونصلَّي على سيدنا محمد الذي آتاه اللَّه الكتاب وجعله نبيّا ، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتّبع بها صراطا سويّا . وبعد ، فإنّ أولى ما تنغّمت ألسنة الأقلام بتلاوة سوره ، وتنعّمت أفواه المحابر بالاستمداد لتسطير سيره ، وتناجت الكرام الكاتبون بشكر مجمله ومفصّله ، وتناشدت الرّواة بحسن لسنه وترنّمت الحداة بطيب غزله ، وتهادت الأقاليم تحف معجّله ومؤجّله ، وعنت وجوه المهارق ( 1 ) لصعود كلمه الطيّب ورفع صالح عمله - ما كان فيه شكر لنعمة تمنّها على الدولة سعادة جدودها وحظوظها ، وإفادة مصونها ومحفوظها ، وإرادة مرموقها بحسن الاستيداع وملحوظها ، وحمد لمنحة أفاءتها بركات أحسنت للمملكة الشريفة مآلا ، وقرّبت لها منالا ، وأصلحت لها أحوالا ، وكاثرت مدد البحر فكلَّما أجرى ذاك ماء أجرت هي مالا ؛ وإن ضنّت السّحب أنشأت هي سحبا ، وإن قيل - بشحّ سيحنا ( 2 ) - : رونق الأرض ذهب ، عوّضت عنه ذهبا ؛ كم لها في الوجود من كرم وكرامة ، وفي الوجوه من وسوم ووسامة ، كم أحيت مهجا ، وكم جعلت للدولة من أمرها مخرجا ، وكم وسّعت أملا ، وكم تركت صدر الحزن سهلا ، وكم تركت صدر الخزائن ضيّقا حرجا ، كم استخدمت جيش تهجّد في بطن الليل ، وجيش جهاد على ظهور الخيل ، وكم أنفقت في واقف في قلب بين صفوف الحروب ، وفي واقف في صفوف المساجد من أصحاب القلوب ؛ كم سبيل يسّرت ، وسعود كثّرت ، وكم مخاوف أدبرت حين درّت ، وكم آثار في البلاد والعباد آثرت وأثرّت ، وكم وافت ووفّت ، وكم كفت وكفّت ، وكم أعفت وعفت وعفّت ، وكم
هامش
( 1 ) المهارق : جمع مهرق ؛ وهو الصحيفة البيضاء يكتب فيها . ( 2 ) السّيح : الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 266 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين