تك تصلح إلَّا له ) .
فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال للدّين ناصرا ، ولأعلام العلوم ناشرا - أن يفوّض إليه تدريس الطب بالبيمارستان المبارك المنصوريّ ، المستجدّ الإنشاء بالقاهرة المحروسة ، علما بأنه المتمهّر في هذا الفنّ ، وأنه عند الفراسة فيه والظَّنّ ، وأنه سقراط الإقليم إذا كان غيره سقراط الدّنّ ، وثقة بأنا للجوهر قد التقطنا ، وبالخير قد اغتبطنا ، وعلى الخبير قد سقطنا .
فليتلقّ هذه النعمة بالشكر الجليل ، والحمد الجزيل ، والثناء الذي هو بالنّماء والزيادة كفيل ، ولينتصب لهذا العلم المبارك انتصاب من يقوم بالفرض منه والسّنّة ، ويعرف له فيه الفضل ويتقلَّد له فيه المنّة ، ويثنى على آثاره الجميلة فيه وتثنى إليه الأعنّة ، وليبطل بتقويمه الصحّة ما ألَّفه ابن « بطلان » ( 1 ) ، وليرنا بتدبيره جبلَّة البرّ فإنه « جالينوس » الزمان ، وليبذل النّجاة من الأمراض والشفاء من الأسقام فإنه « ابن سينا » الأوان ، وليجمع عنده شمل الطلبة ، وليعط كلّ طالب منهم ما طلبه ، وليبلَّغ كلّ متمنّ من الاشتغال أربه ، وليشرح لهم صدره ، وليبذل لهم من عمره شطره ، وليكشف لهم من هذا العلم المكنون سرّه ، وليرهم ما خفي عنهم منه جهره ، وليجعل منهم جماعة طبائعية ( 2 ) ، وطائفة كحّالين وجرائحيه ، وقوما مجبّرين ، وبالحديد عاملين ، وأخرى بأسماء الحشائش وقوى الأدوية وأوصافها عالمين ، وليأمر كلَّا منهم بحفظ ما يجب حفظه ، ومعرفة ما يزيد به حظه ، وليأخذه بما يصلح به لسانه ولفظه ، ولا يفتر عنهم في الاشتغال لحظة ، وليفرد لكل علم من العلوم طائفة ، ولكل فن من فنونه جماعة بمحاسنه
هامش
( 1 ) هو المختار بن الحسن بن عبدون بن بطلان : طبيب نصراني من أهل بغداد . سافر إلى مصر وأقام فيها ثلاث سنوات ورحل إلى القسطنطينية ثم إلى أنطاكية فترهب ومات فيها سنة 458 ه . من كتبه « دعوة الأطباء » و « تقويم الصحة » . ( الأعلام : 7 / 191 ودائرة المعارف الإسلامية : 1 / 221 ) .
( 2 ) الطبائعيون هم أطباء الأمراض الباطنية . والكحالون : أطباء العيون .