وقد ولي أمر هذه الرّتبة ، ووكل بعينه النظر في مصالح المسلمين للَّه حسبة ؛ فلينظر في الدّقيق والجليل ، والكثير والقليل ، وما يحصر بالمقادير وما لا يحصر ، وما يؤمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر ، وما يشترى ويباع ، وما يقرّب بتحريره إلى الجنّة ويبعد من النار ولو لم يكن قد بقي بينه وبينها إلا قدر باع أو ذراع ؛ وكل ما يعمل من المعايش في نهار أو ليل ، وما لا يعرف قدره إلا إذا نطق لسان الميزان أو تكلَّم فم الكيل . وليعمل لديه معدّلا لكلّ عمل ، وعيارا إذا عرضت عليه المعايير يعرف من جار ومن عدل ، وليتفقّد أكثر هذه الأسباب ، ويحذّر من الغشّ فإنّ الداء أكثره من الطَّعام أو الشّراب ، وليتعرّف الأسعار ويستعلم الأخبار ، في كل سوق من غير إعلام لأهله ولا إشعار ، وليقم عليهم من الأمناء من ينوب عنه في النّظر ، ويطمئنّ به وإن غاب إذا حضر ، ويأمره بإعلامه بما أعضل ، ومراجعته مهما أمكن فإنّ رأي مثله أفضل . ودار الضّرب والنّقود التي منها تنبثّ ، وقد يكون فيها من الزّيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللَّبث ؛ فليتصدّ لمهمّاتها بصدره الذي لا يحرج ، وليعرض منها على المحكّ من رأيه ما لا يجوز عليه بهرج ، وما يعلَّق من الذهب المكسور ويروبص ( 1 ) من الفضّة ويخرج ، وما أكلت النار كلّ لحامه أو بعضه فليقم عليه من جهته الرقباء ، وليقم على شمس ذهبه من يرقب منه ما ترقب من الشمس الحرباء ، وليقم الضّمّان على العطَّارين والطَّرقيّة ( 2 ) من بيع غرائب العقاقير إلا ممّن لا يستراب فيه وهو معروف ، وبخطَّ متطبّب ماهر لمريض معيّن في دواء موصوف . والطَّرقيّة وأهل النّجامة وسائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان ، ومن يأخذ أموال الرجال بالحيلة ويأكلهم باللسان ، وكل إنسان سوء من هذا القبيل هو في الحقيقة شيطان لا إنسان ؛ امنعهم كلّ المنع ، واصدعهم مثل الزّجاج حتّى لا ينجبر لهم صدع ، وصبّ عليهم النّكال وإلا فما يجدي في تأديبهم ذات التأديب والصّفع ، واحسم
هامش
( 1 ) لعل المراد بالفضة المروبصة : غير المسكوكة .
( 2 ) الطرقيّة هم الذين يقدّمون ألعابا في الطريق ليحصلوا على الأموال بدون وجه حق . وعبارة « من بيع غرائب العقاقير » عائدة للعطارين .