تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
بذلك المال مدة لا يشتري ولا يبيع ؛ وهذا مما يبتّ قضاءه في مثله ، ويجعل عقاب من أقدم على بيع الوقف إحرامه مدّة البيع من مغلَّه ، وسوى ذلك مما عليه العمل ، ومما إذا قال فيه قال بحقّ وإذا حكم عدل . وفقهاء مذهبه في هذه البلاد قليل ما هم ، وهم غرباء فليحسن مأواهم ، وليكرم بكرمه مثواهم ، وليستقرّ بهم النّوى في كنفه فقد ملَّوا طول الدّرب ، ومعاناة السفر الذي هو أشدّ الحرب ، ولينسهم أوطانهم ببرّه ولا يدع في مآقيهم دمعا يفيض على الغرب . ويزاد الحنبليّ : والمهمّ المقدّم - وهو يعلم ما حدث على أهل مذهبه من الشّناعة ، وما رموا به من الأقوال التي نتركها لما فيها من البشاعة ، ونكتفي به في تعفية آثارها ، وإماطة أذاها عن طريق مذهبه لتأمن السالكة عليه من عثارها ؛ فتعالى اللَّه أن يعرف بكيف ، أو يجاوب السائل عنه بهذا إلا بالسيف ؛ والانضمام إلى الجماعة والحذر من الانفراد ، وإقرار آيات الصّفات على ما جاءت عليه من الاعتقاد ، وأنّ الظاهر غير المراد ، والخروج بهم إلى النّور من الظَّلماء ، وتأويل ما لا بدّ من تأويله مثل حديث الأمة التي سئلت عن ربّها : أين هو فقالت في السماء ؛ وإلا ففي البليّة بإثبات الجهة ما فيها من الكوارث ، ويلزم منها الحدوث واللَّه سبحانه وتعالى قديم ليس بحادث ولا محلَّا للحوادث ؛ وكذلك القول في القرآن ونحن نحذّر من تكلَّم فيه بصوت أو حرف ، فما جزاء من قال بالصوت إلا سوط وبالحرف إلا حتف ؛ ثم بعد هذا الذي يزع به الجهّال ، ويردّ دون غايته الفكر الجوّال ، ينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صحّ نقله عن إمامه وأصحابه : من كان منهم في زمانه ومن تخلف عن أيامه ؛ فقد كان رحمه اللَّه إمام حقّ نهض وقد قعد الناس تلك المدّة ، وقام نوبة المحنة مقام سيد تيم ( 1 ) - رضي اللَّه عنه - نوبة الرّدّة ، ولم تهبّ به زعازع المريسيّ ( 2 ) وقد هبّت مريسا ( 3 ) ، ولا
هامش
( 1 ) الإشارة إلى أبي بكر الصديق . ( 2 ) بهذا الضبط في الطبعة الأميرية . وضبطه ابن خلكان بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها ، وكذا في أكثر كتب التراجم . وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة : الفقيه الحنفيّ المتكلم . اعتنق الاعتزال ورمي بالزندقة ؛ وإليه تنسب الطائفة المريسيّة القائلة بالإرجاء . أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف ، وقال برأي الجهمية ، وأوذي في دولة هارون الرشيد . توفي سنة 218 ه . ( وفيات الأعيان : 1 / 277 والأعلام : 2 / 55 ) . ( 3 ) أي هبّت قوية شديدة .