ويزاد الشافعيّ :
وليعلم أنه صدر المجلس ، وأنه أدنى القوم وإن كانوا أشباهه منا حيث نجلس ، وأنه ذو الطَّيلسان ( 1 ) الذي يخضع له ربّ كلّ سيف ويبلس ( 2 ) ؛ وليتحقّق أنه إنما رفعه علمه وتقاه ، وأنّ سبب دينه لا دنياه هو الذي رقّاه ؛ فليقدر حقّ هذه النّعم ، وليقف عند حدّ منصبه الذي يودّ لو اشترى سواد مداده بحمر النّعم .
ويقال في وصيته : وأمر دعاوى بيت المال المعمور ، ومحاكماته التي فيها حقّ كل فرد فرد من الجمهور ؛ فليحترز في قضاياها غاية الاحتراز ، وليعمل بما يقتضيه لها الحقّ من الصّيانة والإحراز ، ولا يقبل فيها كلّ بينة للوكيل عن المسلمين فيها مدفع ، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة يظن أنها ما تضرّ عند اللَّه فإنها ما تنفع ؛ وله حقوق فلا يجد من يسعى في تملَّك شيء منها بالباطل منه إلا الياس ، ولا يلتفت إلى من رخّص لنفسه وقال : هو مال السلطان فإنّه مالنا فيه إلا ما لواحد من الناس . وأموال الأيتام الذين حذّر اللَّه من أكل مالهم إلا بالمعروف لا بالشّبهات ، وقد مات آباؤهم ومنهم صغار لا يهتدون إلى غير الثدي للرّضاع ومنهم حمل في بطون الأمّهات ؛ فليأمر المتحدّثين لهم بالإحسان إليهم ، وليعرّفهم بأنهم سيجزون في بنيهم بمثل ما يعملون معهم إذا ماتوا وتركوا ما في يديهم ، وليحذّر منهم من لا ولد له : * ( ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ) * ( 3 ) . وليقصّ عليهم في مثل ذلك أنباء من سلف تذكيرا ، وليتل عليهم القرآن ويذكَّرهم بقوله تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ ) *
هامش
( 1 ) الطيلسان : ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف ، أو يحيط بالبدن ، خال من التفصيل والخياطة . واللفظ فارسي معرب : تالسان أو تالشان . وذكر صاحب القاموس أن لام الطيلسان مثلاثة . ( المعجم الوسيط : 561 والقاموس : 2 / 235 ) .
( 2 ) أبلس : سكت لحيرة أو انقطاع حجّة . وفي التنزيل العزيز : ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ .
( 3 ) النساء / 9 .