وهذه الرّتبة التي جعل اللَّه إليها منتهى القضايا ، وإنهاء الشّكايا ، ولا يكون صاحبها إلا من العلماء ، الذين هم ورثة الأنبياء ، ومتولَّي الأحكام الشرعيّة بها كما ورث عن نبيّ اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم علمه ، كذلك ورث حكمه ؛ وقد أصبح بيده زمام الأحكام ، وفصل القضاء الذي يعرض [ بعضه ] ( 1 ) بعده على غيره من الحكَّام ؛ وما منهم إلا من ينقد نقد الصيرفيّ ، وينفذ حكمه نفاذ المشرفيّ ؛ فليتروّ في أحكامه [ قبل إمضائها ، وفي المحاكمات إليه ] ( 2 ) قبل فصل قضائها ، وليراجع الأمر مرّة بعد مرّة حتى يزول عنه الالتباس ، ويعاود فيه بعد التأمّل كتاب اللَّه وسنّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والإجماع والقياس ؛ وما أشكل عليه بعد ذلك فليجلّ ظلمه بالاستخارة ، وليحلّ مشكله بالاستشارة ، ولا ير نقصا عليه إذا استشار فقد أمر اللَّه رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالشّورى ، ومرّ من أوّل السّلف من جعلها بينه وبين خطأ الاجتهاد سورا ؛ فقد يسنح للمرء ما أعيا غيره وقد أكثر فيه الدّأب ، ويتفطَّن الصغير لما لم يفطن إليه الكبير كما فطن ابن عمر رضي اللَّه عنهما للنخلة [ و ] ( 3 ) ما منعه أن يتكلَّم إلا صغر سنّه ولزوما مع من هو أكبر منه للأدب ؛ ثم إذا وضح له الحقّ قضى به لمستحقّه ، وسجّل له به وأشهد على نفسه بثبوت حقّه ، وحكم له به حكما يسرّه يوم القيامة أن يراه ، وإذا كتب له به ، ذكر بخير إذا بلي وبقّى الدهر ما كتبت يداه . وليسوّ بين الخصوم حتّى في تقسيم النظر ، وليجعل كلّ عمله على الحقّ فيما أباح وما حظر ، وليجد النظر في أمر الشهود حتّى لا يدخل عليه زيف ، وليتحرّ في استيداء الشهادات فربّ قاض ذبح بغير سكَّين وشاهد قتل بغير سيف ؛ ولا يقبل منهم إلا من عرف بالعدالة ، وألف منه أن يرى أوامر النفس أشدّ العدالة - وغير هؤلاء ممن لم تجر له بالشهادة عادة ، ولا تصدّى للارتزاق بسحتها ( 4 ) ومات وهو حيّ على الشّهادة ، فليقبل منهم من لا يكون في قبول مثله ملامة ، فربّ عدل بين منطقة وسيف وفاسق في فرجيّة ( 5 ) وعمامة - ولينقّب على
هامش
( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن « التعريف » ص 116 .
( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن « التعريف » ص 116 .
( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن « التعريف » ص 116 .
( 4 ) السّحت : ما خبث وقبح من المكاسب ؛ وهو النزر القليل أيضا .
( 5 ) الفرجيّة : ثوب واسع طويل الأكمام يتزيا به علماء الدين .