تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
فاحتوى على زهرها وزار خمائل الفضائل فاستوى على أزاهرها ، وانتهى إليه علم مذهبه فبرّز على من سلف ، وجارى علماء عصره فوقفت أبصارهم عن رؤية غباره وما وقف ، وتعيّن عليه القضاء وإن كان فرض كفاية لا فرض عين ، وقدّمه الترجيح الذي جعل رتبته همزة استفهام ورتبة غيره بين بين - اقتضى رأينا الشريف اختصاصه بهذا التمييز ، والتنبيه على فضله البسيط بهذا اللفظ الوجيز . فلذلك رسم أن يفوّض إليه كيت وكيت . فليتولّ هذه الرتبة التي أصبح فيها عن رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - نائبا وبشرعه قائما ، ويتقلَّدها تقلَّد من يعلم أنه قد أصبح على حكم اللَّه تعالى مقدّما وعلى اللَّه قادما ، ويثبّت تثبّت من يعتصم بحبل اللَّه في حكمه فإنّ أحد الخصمين قد يكون ألحن بحجّته وإن كان ظالما ، ويلبس لهذا المنصب حلَّة تمنع المبطل من الإقدام عليه ، وتدفع الظالم عن التطاول إلى أمر نزعه الشرع الشريف من يديه ، ويؤمّن الحقّ من امتداد يد الجور والحيف إليه ، وليسوّ بين الخصمين في مجلسه ولحظه ، ويعدل بينهما في إنصاته ولفظه : ليعلم ذو الجاه أنّه مساو في الحقّ لخصمه ، مكفوف باستماع حجّته عن الطمع في ظلمه ، ولا ينقض حكما لم يخالف نصّا ولا سنّة ولا إجماعا ، وليشارك فيما لا يجهله من القضايا غيره من العلماء ليتزيّد بذلك مع اطلاعه اطَّلاعا ، وليغتنم في ذلك الاستعانة بآرائهم : فإنّ اللَّه تعالى لا ينتزع هذا العلم انتزاعا ، وليسدّ مسالك الهوى عن فكره ، ويصرف دواعي الغضب لغير اللَّه عن المرور بذكره ، وليجعل العمل لوجه اللَّه نتيجة علمه ، وليحكم بما أراه اللَّه * ( والله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه ) * . وهذه نسخة وصية أوردها في « التعريف » تشمل القضاة الأربعة ، قال : وصية جامعة [ لقاض ] ( 1 ) من أيّ مذهب كان ، وهي :
هامش
( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن « التعريف » ص 116 .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 194 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين