تلبّست بها همم غيرهم عادت خاسئة أو امتدّت إليها أبصار من دونهم رجعت حسيرة .
ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تصلح العلن والسّريرة ، وتصبح بها القلوب موقنة والألسن ناطقة والأصابع مشيرة ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي بعث اللَّه به الرسل مخبرة وأنزل الكتب بمبعثه بشيرة ، واجتباه في خير أمّة من أكرم أرومة وأشرف عشيرة ، وأظهر أنوار ملَّته إلا لمن أعمى الغيّ بصيرته وهل تنفع العمي شمس الظَّهيرة ، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتقرّب بدوامها إلى اللَّه فيضاعفها لنا أضعافا كثيرة ، وسلَّم تسليما كثيرا .
وبعد ، فإنّ أولى الأمور بأن تشاد قواعده ، وتتعهّد معاهده ، ويعلى مناره ، وتفاض بطلوع شمسه أنواره ، وتكمّل به قوى الدين تكملة الأجساد بقوى الطبائع الأربع ، وتعمّر به ربوع الملة التي ليس بعدها من مصيف لملَّة ولا مربع ، وتثبّت به قوائم الشرع التي ما للباطل في إمالة بعضها من مطمع ، أمر القضاء على مذهب الإمام الرّبّانيّ « أحمد بن حنبل » رضي اللَّه عنه ، وكان قد خلا بانتقال مباشره إلى اللَّه تعالى ، وتوقّف مدّة على ارتياد الأكفاء ، والإرشاد إلى من هو أهل الاصطفاء ، واختيار من تكمل به رفعة قدره ، ويعيد لدسته على بساط سليمانه بهجة صدره .
ولما كان فلان هو المنتظر لهذه الرّتبة انتظار الشمس بعد الغسق ، والمرتقب لبلوغ هذه المنزلة التي تقدّمت إليها بوادر استحقاقه في السّبق ، والمعطوف على الأئمة من أصحاب إمامه - وأن تأخر زمانه - عطف النّسق ، وهو الذي ما زال يعدل دم الشهداء مداد أقلامه ، وتضع الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع من نقل خطواته في طلب العلم وسعي أقدامه ، ودخل من خشية اللَّه تعالى في زمرة من حصر بإنّما ، وهجر المضاجع في طاعة اللَّه لتحصيل العلم فلو عدّت هجعاته لقلَّما ، وهجّر في إحراز الفضائل فقيّد أوابدها ، وأحرز شواردها ، ولجّج في بحار المعاني فغاص على جواهرها ، ونظر نظرة في نجوم العلوم
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 193
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص١٩٣