تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
دماء الأعداء عقيقة ؛ وقد عرفت مثله بثبات الجنان ، وصلت بيدك ووصلت إلى ما لم يصل إليه رمح ولا قدر عليه سنان ، ولم يزاحمك عدوّ إلا قال له : أيّها البادي المقاتل كيف تزاحم الحديد ، ولا سمّي اسمك لجبّار إلا قال له : * ( وجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْه تَحِيدُ ) * ( 1 ) وأنت أولى من قام بهذه الوظيفة ، وألَّف قلوب هذه الطائفة التي ما حلم بها حالم إلا وبات يرعد خيفة ؛ فليأخذ هذا الأمر بزمامه ، وليعمل للَّه ولإمامه ، وليرم في حبّ البقاء الدائم بنفسه على المنيّة ، ولينادم على معاقرة الدّماء زهور سكاكينه الحنيّة ، واطبع منهم زبرا ( 2 ) تطاول السيوف بسكاكينها ، وتأخذ بها الأسود في عرينها ، وتمتدّ كأنّها آمال ، لما تريد ، وترسل كأنّها آجال ، ولهذا هي إلى كلّ عدوّ أقرب من حبل الوريد ، وأذك منهم شعلا إذا دعيت بأحسابها لا تجد إلَّا متحاميا ، وارم منهم سهاما إذا دعيت بأنسابها الإسماعيلية فقد جاء أن إسماعيل كان راميا ، وفرّج بهم عن الإسلام كلّ مضيق ، واقلع عن المسلمين من العوانية كلّ حجر في الطريق ، وصرّف رجالك الميامين ، وتصيّد بهم فإنّهم صقور ومناسرهم السّكاكين ، واخطف بهم الأبصار فبأيمانهم كلّ سكَّينة كأنّها البرق الخاطف ، واقطف الرؤوس فإنها ثمرات أينعت لقاطف ، واعرف لهم حقّهم وضاعف لهم تكريما ، وأدم لهم بنا برّا عميما ، وقدّم أهل النفع منهم فقد قدّمهم اللَّه * ( وفَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) * ( 3 ) واعلم أنهم مثل الوحوش فزد في تأنيسهم ، واشكر إقدامهم فطالما اقتحموا على الملوك وما هابوا يقظة حرسهم ، وارفع بعضهم على بعض درجات في نفقات تسافيرهم وقعود مجلسهم ، ولا تسوّ بينهم فما هم سواء * ( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ) *
هامش
( 1 ) ق / 19 . ( 2 ) زبرة الحديد : القطعة الضخمة منه . وفي التنزيل العزيز : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ : الكهف / 96 . ( 3 ) النساء / 95 .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 166 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين