تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الحمد للَّه الذي زان دولتنا القاهرة من حسامها بتقليده ، وصان حمى ممالكنا الشريفة من أوليائنا بمن تغدو مواقع سيوفه من كل عدوّ قلائد جيده ، وزاد جلالة الملك بمن إذا ركب في مواكب نيابته أورد جياد رعبه من كل متوّج من ملوك العدا مناهل وريده ، وفوّض تقدمة جيوشنا المنصورة إلى من تضاعف مهابته في عيون العدا عدد جنوده ، وتغزوه سرايا خيله في يقظته وتطلع عليه طلائع خياله في هجوده ، وإذا صلَّت سيوفه في موقف وغى أغرت رأس كلّ مستكبر لم يعرف اللَّه قبل ركوعه بسجوده ، مشرّف أقدار أوليائنا من المراتب بما تشرف به أقدار المراتب في نفسها ، ومفضّل أيام دولتنا على الدّول بما ألفته من جلالة ملكنا في أمسها ، ومجمّل سير أصفيائنا من المعدلة بما إذا غرسته في قلوب الرعايا كان الدعاء الصالح ثمرة غرسها ، ومقلَّد خواصّنا من إيالة الملك ما إذا خطبت به الأقلام على منابر الأنامل نقلت البلاغة في تلك الأوصاف عن قسّها ( 1 ) ، ومفيض حلل الأنباء المرقومة بأسنى الرّتب على من إذا زانت حبرها ( 2 ) اللابس زانها بلبسها ، وإذا أشرقت به هالة المواكب لوغى سقطت فوارس ملوك العدا عن مراكبها واضطربت الأسرّة بملوك فرسها ، وإذا كتمته الأعداء أنباءها نطقت ألسنة رياحه بأسرار أهل الشرك ولا يرى أسمع من صمّها ولا أفصح من خرسها ، وإذا تطاولت أبطال الوقائع للقائه افترّت ثغور سيوفه عن شنب النصر لإلفها بمعانقة الأعناق وأنسها . نحمده على نعمه التي جادت شرف أسمائنا إلى أسماع المنابر ، وأنطقت بمضاعفة الأنباء لأوليائنا ألسنة الأقلام في أفواه المحابر ، وأعادت بسيف النصر حقوق ملكنا الذي تلقّيناه مع الأوّلية والأولوية من أسلافنا الكرام كابرا عن كابر . ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة لا تزال سيوفنا بإعلاء منارها
هامش
( 1 ) إشارة إلى قسّ بن ساعدة الإياديّ . ( 2 ) الحبر : مفردها حبرة ؛ وهي ثوب من قطن أو كتّان مخطط كان يصنع باليمن . والحبرة أيضا : ملاءة من الحرير كانت ترتديها النساء بمصر حين خروجهن .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 138 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين