منه إلى ركن شديد ، ورأي سديد ؛ وحزم يقرّب من مواهب النصر كلّ بعيد ، وعزم إذا أرهف صوارمه من أدنى الصعيد ، وجف لهول مواقعها باب الحديد ( 1 ) ؛ فهو المطويّ في أثناء ضمائرنا وإن تقلَّدنا قبله سواه ، والمنويّ في أحناء سرائرنا وإنّما لا مريء ما نواه ؛ قد حلب قدم هجرته الدّهر أشطره ، وكتب حسن خبرته من عنوان السّير أسطره ، وتمثّلت مرآة الزمان لفكره فاجتلى صور الوقائع في صفائها ، وترددت تجارب الأمم على سمعه فعلم ما يأتي وما يذر في تركها واقتفائها ، واستقبل دولة أسلافنا الشريفة من فواتحها ، فكان لسان محاسنها ، وبنان ميامنها ، وخزانة سرّها ، وكنانة نهيها وأمرها ، وطليعة تأييدها ، وذريعة أوليائها إلى عوارفها وجودها ، وعنوان أخبارها ، وعنان سوابقها التي لا تدرك مآثر من سلف شقّ غبارها ، ويمين قبضتها المصرّفة بين البأس والنّدى ، وأمين آرائها المؤيّدة بالتوفيق اللَّدنيّ على العدا ، وركنها المشيّد بالأسل وهو ما تبنى عليه الممالك ، وحصنها المصفّح بالصّفاح فلا تستطيع الأهواء أن تتوقّل ( 2 ) إليه تلك المسالك ، وزعيم جيوشها التي اجتنت من قصب قواضبه ثمر النّصر غير مرّة ، ومتقدّم عساكرها التي اجتلت به وجوه الظَّفر الحلوة في أيّام الكريهة المرّة .
ولما كان المقرّ الكريم ( الفلانيّ ) هو معنى هذه الصفات المبهمة ، ومبنى هذه القواعد المحكمة ، وطراز حلل هذه الأحوال المعلمة ، وسرّ المقاصد
هامش
( 1 ) لعل المراد « الباب الجديد » بالجيم المعجمة . وهو باب القلعة بالقاهرة ؛ أنشأه صلاح الدين الأيوبي سنة 579 ه والذي يسمى أيضا الباب المدرج أو باب سارية أو باب الدرفيل . وهناك أبواب عدة تعرف بهذا الاسم منها : « باب الحديد » أو « الباب الجديد » وهو موجود في سور مدينة بغداد قرب السور . وفي القصر القديم بالقيروان باب يعرف باسم « باب الحديد » . و « باب الحديد » أيضا اسم يطلق على منطقة من الممرات الطبيعية تعتبر الحد الفاصل بين ما وراء النهر وبين الأراضي التابعة لبلخ على ضفتي نهر سيحون . ( نزهة النفوس والأبدان : 1 / 201 ؛ وفي التراث العربي لمصطفى جواد : 81 ؛ والروض المعطار : 476 ؛ ودائرة المعارف الإسلامية : 5 / 533 ) .
( 2 ) توقّل في الجبل : صعّد فيه .