من مطامح النّصر النائية كلّ بعيد ، موكَّلا بحركات العدوّ وسكناته جفنا لا يألف الغرار ( 1 ) ، وسيفا لا يعرف القرار ، وعزما لا يرضى من عدوّه دون اصطلامه ( 2 ) الفرار ؛ فلا تزال جيوش الإسلام بجميل تعاهده مزاحة العوائق ، مزالة العلائق ، لا مانع لها عن الركوب ، ولا قاطع عن الوثوب ، قد أعدّتها عزائمه ، فكلّ زمانها بالتأهّب للَّقاء وقت إمكانه ، وأمدّت بأسها صوارمه ، فهي لا تسأل عن عدد عدوّها بل عن مكانه ، مقيما منار العدل الذي هو أساس الملك ودعامته ، ورأس الحكم بأمر اللَّه في خلقه وهامته ، ونور الخصب الكافل بمصالح العباد والبلاد وعامته ( 3 ) ، ناشرا له في أقطار الممالك ، ماحيا بنور إقامته آية ليل الظَّلم الحالك ، معاضدا أحكام الشريعة المطهّرة بالانقياد إليها ، والاعتماد في الحلّ والعقد عليها ، والاحتفال برفع منارها : فإنّ ذلك من أفضل ما قدّمته الدول الصالحة بين يديها ، مقدّما عمارة البلاد على كلّ مهمّ : فإنها الأصل الذي تتفرّع عنه المصالح على افتراقها ، والمادّة التي تستطيل الجيوش الإسلاميّة على العدا بتوسعها في إنقادها وإنفاقها ، والأسباب التي تعين الغيوث على نماء ما بسط اللَّه لعباده من أرزاقها ؛ وآكد مصالحها الرّفق الذي ما كان في شيء إلا زانه ، والعدل الذي ما اتّصف به ملك إلا حفظه وصانه ؛ فقد جعلنا أمره في ذلك جميعه من أمرنا المطاع ، واقتصرنا عن ذكر الوصايا بما في خصائصه الكريمة من حسن الاضطلاع وجميل الاطَّلاع ، واكتفينا بما في خلائقه الجميلة من محاسن لو تخيّر نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم الطَّباع ؛ واللَّه تعالى يؤيّده وقد فعل ، ويجعل ركنه من أثبت قواعد الدّين وقد جعل ، إن شاء اللَّه تعالى .
وهذه نسخة تقليد بكفالة السلطنة أيضا ، وهي :
هامش
( 1 ) الغرار : النوم القليل .
( 2 ) اصطلمهم الدهر أو الموت أو العدو : استأصلهم .
( 3 ) العامة : قبضات الحصيد إذا اجتمعت . ( المعجم الوسيط : 638 ) .