* ( رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * ( 1 ) .
وأمرك أن تتخيّر ( 2 ) للخدمة بين يديك من بلوت أخباره ، واستشففت أسراره ، فعلمته جامعا أدوات الكفاية ، موسوما بالأمانة والدّراية ، قد عركته رحا التّجارب عرك الثّفال ( 3 ) وحلب الدّهر أشطره على تصاريف الأحوال : ليكون أمر ما يولَّاه ( 4 ) على منهج الاستقامة جاريا ، وعن ملابس الخلل والارتياب عاريا ، فلا يضع في مزلقة قدما ، ولا يأتي ما يقرع سنّه لأجله ندما ، وأن تمنح رعايا أمير المؤمنين من بشرك ما يعقل شوارد الأهواء ، ويلوي إليك بأعناق نوافرها اللائي اعتصمن بالجماح والإباء ؛ مازجا ذلك بشدّة تستولي حميّا رهبتها على القلوب ، وتفلّ مرهفات بأسها صرف الخطوب ، من غير إفراط في استدامة ذلك يضيق نظامها به ( 5 ) ، ويغريها اتّصاله باستشعار وعر الخطأ واستيطاء مركبه .
وأمرك أن تعذب مورد الإحسان لمن أحمدت بلاءه ، وتحقّقت غناءه ، واستحسنت أثره ، وارتضيت عيانه وخبره ، وتسدل أسمال الهوان على من بلوت فعله ذميما ، وألفيته بعراص الإساءة مقيما ، وإلى رباعها الموحشة مستأنسا مستديما ، كيلا لكلّ امريء بصاعه ، واتّباعا لما أمر اللَّه باتّباعه ، وتجنّبا للإهمال الجاعل المحسن والمسيء سواء ، والمعيدهما في موقف الجزاء أكفاء ، فإنّ في ذلك تزهيدا لذوي الحسنى في الإحسان ، وتتابعا لأهل الإساءة في العدوان ، ولولا ما فرضه اللَّه على أمير المؤمنين من إيجاب الحجّة ، والفكاك من ربقة الاجتهاد ببلاغ المعذرة ، لثنى عنان الإطالة مقتصرا ، واكتفى ببعض القول مختصرا ، ثقة
هامش
( 1 ) يوسف / 53 .
( 2 ) في مآثر الإنافة « أن تنجز » .
( 3 ) الثفال : ما يبسط تحت الرحى عند الطحن من جلد وغيره ليسقط عليه الدقيق . وهو أيضا الحجر الأسفل من الرحى . وفي حديث عليّ : « وتدقهم الفتن دق الرحى بثفالها » .
( 4 ) في مآثر الإنافة « تولَّاه » .
( 5 ) في مآثر الإنافة « يضيق بها على الطالب وسيع مذهبه » .