تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وجدّوا ، وخلا الزمان ممّن ينهض بعبء هذا الأمر الجسيم ، وتصبح أنباؤه فيه ذكيّة الأرج والنسيم - لم يبق غيرك ممن يستحقّ التخييم في عراصه ، والتحكيم في اجتناء الفخر منه واستخلاصه ، وكان القدر سبق بانفصالك عن الخدمة لا لضعف سريرة ، ولا لقوّة جريرة ، ولا لكدر سيرة ؛ وكيف وأنت المتفرّد بالكمال ، والمتجرّد في كل مقام سلم حدّ تقرّبك فيه من حادث الكلال ، ولك في الدولة الحقوق التي أعتدت لك من وقع الاستزادة مجنّا ، والمواقف التي اغتذت من درّة الإحماد بما أيّن ( 1 ) الظَّئر لها وأنّا ، والمقاصد التي أعدمت منك البدل ، ولا انحرف لك منها مسعى عن مناهج الإصابة ولا عدل ، وتمكَّنت فيها من عنان التوفيق بما لا يجارى سيفك فيه قط ، ولا يحسن له حال المسرى إليه المحطَّ ؛ والآثار التي أثارت من كوامن الرضا أفضل ما يذخر ويقتنى ، وأنارت من دلائل الزّلفى ما ينتجز به وعد المنى ويقتضي ؛ لكن كان ذلك مسطورا في الكتاب ، وليتبيّن أنّه لا عوض عنك في الاستحقاق للأمر والاستيجاب ، لم يوجد لهذه الرّتبة كفؤا سواك ، ولا ينزّهها عن العطل غير رائق حلاك ، فرأى أمير المؤمنين تسليم مقاليدها إليك إذ كنت أحقّ بها وأهلها ، وممّن يجمع بعد الشّتات شملها ، فطوّقك من قلائدها ما هو بأعطافك ألصق ، وبتمام أوصافك أليق : لتدّرع من عزّ الوزارة جلبابا لا تخلق الأيام له جدّة ، ولا تزال السّعود بما يؤول إلى دوام مدّته ممتدّة ، وترتضع من لبان خلالها ( 2 ) ما يقضي لك بأن تقف نفسها عليك ، وتقف آمال الأمثال دون ما انتهت الغاية فيه إليك ، وتعتمد فيما عدقه ( 3 ) بك منها وناطه ، ووفّاك فيه حقوق النظر واشتراطه ، بحكم توحّدت في إحراز أدواتها التي لا يبلغ أحد لك منها مدى ، ولم يمدّ طامع إلى مساجلتك فيها يدا - ما يرضي اللَّه تعالى ويرضيه ، ويخصّ ذكرك بالطيب
هامش
( 1 ) لعلّ الصواب : أوّن . يقال : أوّنت الحامل : عظم بطنها لقرب ولادتها ، والرجل والدابة : أكل وشرب حتى صار جانباه كالأونين ( العدلين ) . والظئر : المرضعة لغير ولدها . ( 2 ) الخلال : الصفات الحميدة . ( 3 ) لعلها « عزقه بك » بمعنى ناطه .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 244 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين