تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
القطع لحديث من أرادك بحديثه حتّى تنقضه عليه بالخوض في غيره أو المسألة عمّا ليس منه : فإن ذلك عند العامّة منسوب إلى سوء الفهم وقصر الأدب عن تناول محاسن الأمور والمعرفة بمساويها ، ولكن أنصت لمحدّثك وأرعه سمعك حتّى يعلم أن قد فهمت حديثه ، وأحطت معرفة بقوله : فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد علم بطلبته ، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجّب ( 1 ) من حديثه بالتبسّم والإغضاء ، فأجزى عنك الجواب ، وقطع عنك ألسن العتب . إيّاك وأن يظهر منك تبرّم بطول مجلسك ، أو تضجّر ممن حضرك ؛ وعليك بالتثبّت عند سورة الغضب ، وحميّة الأنف ، وملال الصبر في الأمر تستعجل به والعمل تأمر بإنفاذه ، فإنّ ذلك سخف شائن ، وخفّة مردية ، وجهالة بادية ؛ وعليك بثبوت المنطق ، ووقار المجلس ، وسكون الريح ، والرّفض لحشو الكلام ، والتّرك لفضوله ، والإغرام ( 2 ) بالزّيادات في منطقك والترديد للفظك : من نحو اسمع ، وافهم عنّي ، ويا هناه ( 3 ) ، وأ لا ترى ، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصّرة بأهل العقل ، الشائنة لذوي الحجا في المنطق ( 4 ) ، المنسوبة إليهم بالعيّ ، المردية لهم بالذّكر . وخصال من معايب الملوك والسّوقة عنها غبيّة النظر إلا من عرفها من أهل الأدب ، وقلَّما حامل لها ، مضطلع بها ، صابر على ثقلها ، آخذ لنفسه بجوامعها ، فانفها عن نفسك بالتحفّظ منها ، واملك عليها اعتيادك إيّاها معتنيا بها : منها كثرة
هامش
( 1 ) في مفتاح الأفكار « كالمتعلل » . ( 2 ) والإغرام معطوف على فضوله ، أي وعليك بالترك للإغرام بالزيادات الخ ( 3 ) هن : كلمة يكنى بها عن اسم الإنسان ، فإذا ناديت مذكرا بغير التصريح باسمه قلت : يا هن اقبل ؛ ولك أن تدخل فيه الهاء فتقول : يا هنه ( بفتح النون وسكون الهاء ) كما تقول : لمه ، وماليه ؛ ولك أن تشبع الحركة فتتولد الألف فتقول : يا هناه اقبل ( وتزاد الألف والهاء في آخرة في النداء خاصة ) . وهذه الهاء تصير تاء في الوصل وتضم على تقدير أنها آخر الاسم ، وتكسر لاجتماع الساكنين ، ولك أن تقول : يا هناه اقبل ( بهاء مضمومة ) . وفي المنظوم والمنثور « من نحو اسمع أو اعجل أو ألا ترى » . ( 4 ) هذه الجملة ساقطة في المنظوم والمنثور .