تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ما هو مكلَّمك به ، وقدر ما هو سائلك إيّاه إذا هو وصل إليك ، فأصدرت رأيك في حوائجه ( 1 ) ، وأجلت فكرك في أمره ، واخترت معتزما على إرادتك في جوابه ( 2 ) ، وأنفذت مصدور رويّتك في مرجوع مسألته قبل دخوله عليك ، وعلمه بوصول حاله إليك ، فرفعت عنك مؤونة البديهة ، وأرخيت عن نفسك خناق الرّويّة ، وأقدمت على ردّ جوابه بعد النّظر وإجالة الفكر فيه ؛ فإن دخل إليك أحد منهم فكلمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك وطوى عنه حاجته قبلك ، دفعته عنك دفعا جميلا ، ومنعته جوابك منعا وديعا ( 3 ) ، ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له ، والغلظة عليه ، ومنعه من الوصول إليك ، فإنّ ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب ، صارفا عنك مؤونتها ، ومسهلا عليك مستصعبها ( 4 ) . احذر تضييع رأيك وإهمالك أدبك في مسالك الرضا والغضب واعتوارهما ( 5 ) إيّاك ، فلا يزدهينّك إفراط عجب تستخفّك روائعه ، ويستهويك منظره ، ولا يبدرنّ منك ذلك خطأ ونزق خفّة لمكروه إن حلّ بك ، أو حادث إن طرأ عليك ، وليكن لك من نفسك ظهريّ ملجأ تتحرّز به من آفات الرّدى ، وتستعضده ( 6 ) في موهم النازل ، وتتعقّب به أمورك في التدبير ، فإن احتجت إلى مادّة من عقلك ، ورويّة من فكرك ، أو انبساط من منطقك ، كان انحيازك إلى ظهريّك مزدادا مما أحببت الامتياح منه والامتيار ( 7 ) ؛ وإن استدبرت ( 8 ) من أمورك بوادر جهل أو مضى زلل أو معاندة حقّ أو خطل تدبير ، كان ما احتجنت ( 9 ) إليه من
هامش
( 1 ) في المنظوم والمنثور « في جوابه » . ( 2 ) هذه الجملة ساقطة في المنظوم والمنثور . ( 3 ) في المنظوم والمنثور « منعا ودفعا » وعبارة القلقشندي أنسب . ( 4 ) هذه الجملة ساقطة في المنظوم والمنثور . وبعدها في مفتاح الأفكار « إن شاء اللَّه » . ( 5 ) أي تداولهما إيّاك . ( 6 ) في مفتاح الأفكار « وتستعهده في مهم نازل » . ( 7 ) امتاح : استقى . وامتار لأهله : جلب لهم الميرة أي الطعام . ( 8 ) كذا في مفتاح الأفكار أيضا ولعل صوابه « أدبرت » بمعنى وقعت ولا يستطاع تلافيها . ( 9 ) من احتجن المال أي ضمّه واحتواه .