تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
رأيك عذرا لك عند نفسك ، وظهريّا قويّا على ردّ ما كرهت ، وتخفيفا لمؤونة الباغين عليك في القالة وانتشار الذكر ، وحصنا من غلوب الآفات عليك ، واستعلائها على أخلاقك . وامنع أهل بطانتك وخاصّة خدمك ( 1 ) من استلحام أعراض الناس عندك بالغيبة ، والتقرّب إليك بالسّعاية ، والإغراء من بعض ببعض ، أو النّميمة إليك بشيء من أحوالهم المستترة عنك ، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النّصيحة ومذهب الشّفقة : فإنّ ذلك أبلغ بك سموّا إلى منالة الشرف ، وأعون لك على محمود الذكر ، وأطلق لعنان الفضل في جزالة الرأي وشرف الهمّة وقوّة التدبير . واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق ( 2 ) ، وعن القطوب بإظهار الغضب وتنحّله : فإنّ ذلك ضعف عن ملك سورة الجهل ( 3 ) ، وخروج من انتحال اسم الفضل ، وليكن ضحكك تبسّما أو كشرا في أحايين ذلك وأوقاته ، وعند كلّ رائع مستخفّ مطرب ، وقطوبك إطراقا في مواضع ذلك وأحواله ، بلا عجلة إلى السّطوة ، ولا إسراع إلى الطَّيرة ، دون أن يكنفها رويّة الحلم ، وتملك عليها بادرة الجهل . إذا كنت في مجلس ملئك ، وحيث حضور العامّة مجلسك ، فإيّاك والرمي بنظرك إلى خاصّ من قوّادك ، أو ذي أثرة عندك من حشمك ، وليكن نظرك مقسوما في الجميع ، وإراعتك ( 4 ) سمعك ذا الحديث بدعة هادئة ، ووقار حسن ، وحضور فهم مجتمع ، وقلَّة تضجّر بالمحدّث ، ثم لا يبرح وجهك إلى بعض حرسك وقوّادك متوجّها بنظر ركين ، وتفقّد محض ، فإن وجّه إليك أحد منهم نظره محدّقا ، أو رماك ببصره ملحّا ، فاخفض عنه إطراقا جميلا باتّداع وسكون ،
هامش
( 1 ) زاد في مفتاح الأفكار « وعامة رعيتك » . ( 2 ) انفهق الشيء : اتّسع . ( 3 ) سورة الجهل : حدّته . ( 4 ) كذا أيضا في مفتاح الأفكار ، وهو تحريف عن « إعارتك » .