ثم تعهّد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة : من أبطال الذرع ( 1 ) ونخوة الشّرف والتّيه وعيب الصّلف ، فإنها تسرع بهم إلى فساد وتهجين ( 2 ) عقولهم في مواطن جمّة ، وأنحاء مصطرفة ، منها قلَّة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامّة : فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن يمينه وشماله ، تزدهيه الخفّة ، ويبطره إجلاب ( 3 ) الرجال حوله ، ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمفاكهة له والتّضاحك إليه ، والإيجاف ( 4 ) في السّير مرحا ، وتحريك الجوارح متسرّعا ، يخال أنّ ذلك أسرع له وأحثّ لمطيّته ، فلتحسّن في ذلك هيأتك ، ولتجمّل فيه دعتك ؛ وليقلّ على مسايرك إقبالك إلا وأنت مطرق النظر ، غير ملتفت إلى محدّث ، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته ، ولا موجف في السير مقلقل لجوارحك بالتحريك والاستنهاض ؛ فإنّ حسن مسايرة الوالي واتّداعه ( 5 ) في تلك الحالة دليل على كثير من عيوب أمره ومستتر أحواله .
واعلم أنّ أقواما يتسرّعون ( 6 ) إليك بالسّعاية ، ويأتونك على وجه النّصيحة ( 7 ) . ويستميلونك بإظهار الشّفقة ، ويستدعونك بالإغراء والشّبهة ، ويوطئونك عشوة ( 8 ) الحيرة : ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال ( 9 ) العامّة بموضعهم
هامش
( 1 ) في المنظوم والمنثور : « من أقطار الدرع » وفي مفتاح الأفكار « من أبطال البدع » . ونرجّح أن يكون الصواب « من إبطار الذّرع » والذرع : القوة والطاقة . والمعنى : من القوّة المبطرة ، أي الداعية إلى البطر ، كما يدل عليه سياق الكلام .
( 2 ) التهجين : التقبيح .
( 3 ) الإجلاب من الجلبة وهي اختلاط الأصوات .
( 4 ) العدو والإسراع .
( 5 ) الاتداع : السكون والاستقرار .
( 6 ) في مفتاح الأفكار « سيسرعون » .
( 7 ) في مفتاح الأفكار « ويأتونك من قبل النصيحة » .
( 8 ) العشوة : ركوب الأمر على غير بيان .
( 9 ) استئكال الضعفاء : أخذ أموالهم .