تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
من حالات من ينقطع به في تلك المواطن . فتقدّم في إحكام ذلك من نفسك ، واسدد خلله عنك : فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ولغط العامّة بخير أو شرّ ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين اللَّه والأمل المرجوّ المنتظر فيك . وإيّاك أن يغمز ( 1 ) فيك أحد من حامّتك ( 2 ) وبطانة خدمتك بضعفة يجد بها مساغا إلى النّطق عندك بما لا يعتزلك عيبه ، ولا تخلو من لائمته ، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه ، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا أو علن ( 3 ) باديا ، ولن يجترئوا على تلك عندك إلَّا أن يروا منك إصغاء إليها ، وقبولا لها ، وترخيصا لهم في الإفاضة بها . ثمّ إيّاك وأن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يستخفّ بها أهل البطالة ، ويتسرع نحوها ذو والجهالة ، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه ( 4 ) وطعنا في حقّ يجحدونه ؛ مع ما في ذلك من نقص الرأي ، ودرن العرض ، وهدم الشرف ، وتأثيل ( 5 ) الغفلة ، وقوّة طباع السّوء الكامنة في بني آدم ككمون النار في الحجر الصّلد ، فإذا قدح لاح شرره ، وتلهّب وميضه ، ووقد تضرّمه ؛ وليست في أحد أقوى سطوة ، وأظهر توقّدا ، وأعلى كمونا ، وأسرع إليه بالعيب وتطرّق الشّين منها لمن كان في مثل سنّك : من أغفال ( 6 ) الرجال وذوي العنفوان في الحداثة ، الذين لم تقع عليهم سمات الأمور ، ناطقا عليهم لائحها ، ظاهرا فيهم وسمها ، ولم تمحضهم ( 7 ) شهامتها ، مظهرة للعامّة فضلهم ، مذيعة حسن الذكر عنهم ، ولم يبلغ بهم الصّيت في الحنكة مستمعا يدفعون به عن أنفسهم نواطق السن أهل البغي ، وموادّ أبصار أهل الحسد .
هامش
( 1 ) أغمز في فلان : عابه وصغره . واغتمزه : طعن عليه أيضا . ( 2 ) الحامّة : الخاصة من الأهل والوالد . ( 3 ) نجم وعلن : ظهر . ( 4 ) في المنظوم والمنثور : « يدفعونه » . ( 5 ) التأثيل : التأصيل والتمكين . ( 6 ) الغفل من الرجال : من لم يجرّب الأمور . ( 7 ) من محضه الودّ : أخلصه .