تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
غلوب ( 1 ) الآفات على عقلك ، فإنّ شواهد الحق ستظهر بأماراتها تصديق آرائك عند ذوي الحجا ، وحال الرأي وفحص النظر ، فاجتلب لنفسك محمود الذّكر وباقي لسان الصّدق بالحذر لما تقدّم إليك فيه أمير المؤمنين ، متحرّزا من دخول الآفات عليك من حيث أمنك وقلَّة ثقتك بمحكمها : من ذلك أن تملك أمورك بالقصد ، وتداري جندك بالإحسان ، وتصون سرّك بالكتمان ، وتداوي حقدك بالإنصاف ، وتذلَّل نفسك بالعدل ، وتحصّن عيوبك بتقويم أودك ( 2 ) ، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردي . وأناتك فوقّها الملال وفوت العمل ، ومضاءتك فدرّعها رويّة النظر واكنفها بأناة الحلم ، وخلوتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة ، وصمتك فانف عنه عيّ اللَّفظ ، وخف سوء القالة ( 3 ) ؛ واستماعك فأرعه حسن التفهّم ، وقوّه بإشهاد الفكر ، وعطاءك فامهد ( 4 ) له بيوتات الشّرف وذوي الحسب ، وتحرّز فيه من السّرف واستطالة البذخ وامتنان الصّنيعة ، وحياءك فامنعه من الخجل ، وبلادة الحصر ( 5 ) ، وحلمك فزعه ( 6 ) عن التّهاون وأحضره قوّة الشّكيمة ، وعقوبتك فقصّر بها عن الإفراط ، وتعمّد بها أهل الاستحقاق ، وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق ، وخذ به واجب المفترض ، وأقم به أود الدّين ، واستئناسك فامنع منه البذاء وسوء المناقثة ( 7 ) ، وتعهّدك أمورك فحدّه أوقاتا ، وقدّره ساعات ، لا تستفرغ قوّتك ، ولا تستدعي سآمتك ، وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي ، ولجاجة الإقدام ؛ وفرحاتك فاشكمها ( 8 ) عن البطر ،
هامش
( 1 ) المراد غلبة الآفات . ولم نجد هذا المصدر في كتب اللغة التي بين أيدينا . ( 2 ) الأولاد : الاعوجاج . ( 3 ) القال والقيل والقالة في الشر ، والقول في الخير . ( 4 ) أي فضعه في بيوتات الشرف . من مهد المهد للصبي إذا هيأه وبسطه . ( 5 ) الحصر : العيّ . ( 6 ) وزعه : كوضعه : كفّه . والشكيمة : الأنفة . ( 7 ) المناقثة : الإيذاء بالكلام . ( انظر القاموس واللسان : مادة : نقث ) . ( 8 ) شكم الفرس : وضع الشكيمة في فيه . والشكيمة من اللجام : الحديدة المعترضة في فم الفرس . والمعنى فامنعها .