تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
برحت الممالك من بعض مواهبها وإطلاقها ، أن يقلَّد هذا السلطان الملك الأفضل - أدام اللَّه نصره - من المملكة الحموية وبلادها ، وأمرائها وأجنادها ، وعربها وتركمانها وأكرادها ، وقضاياها وقضاتها ، ورعاياها ورعاتها ، وأهل حواضرها وبواديها ، وعمرانها وبراريها ، جميع ما كان والده - رحمه اللَّه - يتقلَّده ، وبسيفه وقلمه يجريه ويجرّده : من كلّ قليل وكثير ، وجليل وحقير ، وفي كل مأمور به وأمير ، يتصرّف في ذلك جميعه ، ويقطع إقطاعاتها بمناشيره ويولَّي وظائفها بتواقيعه ، وينظر فيها وفي أهلها بما يعلم أنّ له ولهم فيه صلاحا ، ويقيم من هيبة سلطانه ما يغنيه أن يعمل أسنّة ويجرّد صفاحا . وليحكم فيها وفيمن هو فيها بعدله ، ويجمع قلوب أهلها على ولائه كما كانوا عليه لأبيه من قبله ، وليكن هو وجنوده وعساكره أقرب في النّهوض إلى مصالح الإسلام من رجع نفسه ، وأمضى في العزائم مما يشتبه بها ( 1 ) من سيفه وقبسه . وأما بقيّة ما يملى من الوصايا ، أو يدلّ عليه من كرم السّجايا ، فهو - بحمد اللَّه تعالى - غريزة في طباعه ، ممتزج به من زمان رضاعه ؛ وإنما نذكَّره ببعض ما به يتبرك ، ونحضّه على اتّباع أبيه فإنها الغاية التي لا تدرك ؛ والشرع الشريف أهمّ ما يشغل به جميع أوقاته ، وتقوى اللَّه فما ينتصر الملك إلا بتقاته ، والفكرة في مصالح البلاد والرعايا فإنها مادّة نفقاته ، واستكثار الجنود فإنهم حصنه المنيع في ملاقاته ، ومبادرة كلّ مهم في أوّل ميقاته ، وولايات الأعمال لا يعتمد فيها إلَّا على ثقاته ، وإقامة الحدود حتّى لا ينصت في تركها إلى رقي رقاته ، ورعاية من له على سلفه خدمة سابقة ، واستجلاب الأدعية الصالحة لنا وله فإنها للسهام مسابقة ؛ وليمض في الأمور عزمه فإنه مذرّب ( 2 ) ، ويبسط العدل والإحسان فإنه بهما إلينا يتقرّب ، وليأخذ بقلوب الرعايا فإنها تتقلَّب ، وليكرم وفادة الوفود ليقف بهم - لنجاح
هامش
( 1 ) كذا بالأصل . ولعله « فيما يشتبه به » جملة معترضة . ( 2 ) ذرب السيف : شحذه وأحدّه .