تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وحرّض بها في الجهاد على الشّهادة حتى وصل إليها ، ومدّ يده لمبايعتنا على إعلائها فسابقت الثّريّا ببسط يديها ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شرّف من تسمّى باسمه أو متّ بالقربى إلى نسبه ، وصرّف في الأرض من تمسّك من رعاية الأمّة بسببه ، وأكرم به كريم كلّ قوم وجعل كلمة الفخار كلمة باقية في عقبه ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ما ناح الحمام لحزنه ثم غنّى من طربه ، وسلَّم تسليما كثيرا . أما بعد ، فإنّنا - وللَّه الحمد - ممّن نحفظ بإحساننا كلّ وديعة ، ونتقبّل لمن أقبل من الملوك على سؤال صدقاتنا الشريفة كلّ ذريعة ، ونتكفّل لمن مات على ولائنا بما لو رآه في ولده لسرّه ما جرى ، وعلم أنّ هذا الذي كان يتمنّى أن يعيش حتى يبصر هذا اليوم ويرى ؛ وكان السلطان الملك المؤيّد عماد الدين - قدّس اللَّه روحه - هو بقيّة بيته الشريف ، وآخر من حلّ من ملوكهم في ذروة عزّه المنيف ولم يزل في طاعتنا الشريفة على ما كان من الحسنى عليه ، ومن المحاسن التي لقي اللَّه بها ونور إيمانه يسعى بين يديه ؛ فوهبنا له من المملكة الحمويّة المحروسة ما كان قد طال عليه سالف الأمد ، ورسمنا له بها عطيّة باقية للوالد والولد ، فلمّا قارب انقضاء أجله ، وأشرف على ما قدّمه إلى اللَّه وإلينا من صالح عمله ، لم يشغله ما به عن مطالعة أبوابنا الشريفة والتّذكار بولده ، وتقاضي صدقاتنا العميمة بما كان ينتظره قمره المنير لفرقده ، وورد من جهة ولده المقام الشريف ، العالي ، الولديّ ، السلطانيّ ، الملكيّ ، الأفضليّ ، الناصريّ ، - أعزّ اللَّه أنصاره - ما أزعج القلوب بمصابه في أبيه ، وأجرى العيون على من لا نقع له على شبيه ، فوجدنا من الحزن عليه ما أبكى كلّ سيف دما ، وأنّ كل رمح يقرع سنّه ندما ، وتأسّفنا على ملك كاد يكون من الملائك ، وأخ كريم أو أعزّ من ذلك ، وسلطان عظيم طالما ظهر شنب ( 1 ) بوارقه في ثغور الممالك ، وقمنا من الحزن في مشاركة أهله بالمندوب ، ثم قلنا : لكم في ولده العوض ولا ينكر لكم الصّبر يا آل أيّوب .
هامش
( 1 ) الشنب : جمال الثغر . والمحدثون الستعاروا الشنب للشارب واستعملوه فيه حتى تناسوا الأصل .