تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الخيف من أيدي مهابتك بالجمرات ، وصل جيرانهما بصلاتك : لتسهر أعينهم بالدعاء لك وأنت في غفواتك . والقدس الشريف الذي هو أحد المساجد التي تشدّ إليها الرحال فزد تقديسه ، واجعل ربوع عباداته بالصّلوات مأنوسة . وإقامة موسم الحج كلّ سنة فأنت بعد حركة تيمور فاتح سبيله ، وكاسي محمله حلل توقيره وتبجيله . هذه الوصايا تذكرة للخاطر الشريف وحاشاك من النّسيان ، وهذا عهد أمير المؤمنين ومبايعة أولي الحلّ والعقد قد تقاضيا إلى حقّك على الزمان ، وعندك كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم ما ضلّ من تمسّك بهما ولا مان ( 1 ) ؛ فاتّبع أحكام اللَّه يوسّع اللَّه لك في ملكك ، واجعل هديك بهما إمام نهيك وأمرك ، وأدّ ما قلَّدك اللَّه من حقوق الإمامة والأمانة إلى خلقه أداء موفورا : * ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها وإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِه إِنَّ الله كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) * ( 2 ) . قلت : ولما كان هذا العهد قد ادّرع جلباب العجائب فأعجب ، وارتدى برداء الغرائب فأغرب ، وسقي غرسه ماء البلاغة فأنجب ، وشنّف الأسماع إذ أسمع فأرقص على السماع وأطرب ، وامتطى صهوة جياد البيان فتنقّل فيها من كميت إلى أشقر ومن أحوى إلى أشهب - أحببت أن آتي له بطرّة ( 3 ) هي له في الحقيقة ذيل ، ونغبة ( 4 ) من بحر وقطرة من سيل ، لا جرم جعلتها في الوضع في الكتاب له لا حقة ، وإن جرت العادة أن تكون الطَّرّة للعهد سابقة ، وهو : هذا عهد شريف ترقمه أقلام أشعّة الشمس بذهب الأصيل على صفحات الأيام ، وتعجمه كفّ الثريّا بنقط النجوم الزواهر وإن كان لا عهد للعهود بالإعجام ،
هامش
( 1 ) مان فلان مينا : كذب ، فهو مائن وميّان . ( 2 ) النساء / 58 . ( 3 ) الطرّة هي الهامش الذي يترك في أعلى الكتاب . ( 4 ) النّغبة : الجرعة ، والجمع نغب .