تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
نفسك عن الهوى بحيث لا يراك اللَّه هنالك ؛ وحدود اللَّه فلا تتعدّاها ، والرعايا فحطها بعين رعايتك وارعاها ، وجنّد الجنود برّا وبحرا ، وأنل أعداءك قهرا وقسرا ، وراجع النظر في أمر نوّاب السلطنة الشريفة مراجعة الناقد البصير ، وتيقّظ لصيانة قلاع الممالك ومعاقلها وحصونها ، وتخيّر لها من ليس بمشكوك المناصحة ولا مظنونها ، وحطها مع عمارتها بالعدّة والعدد ، والأقوات لكي تطمئنّ النفوس بمددها منها إذا طالت المدد ، وتفقّد أحوال من فيها من المستخدمة ، وارع حقوق من له بها خدمة متقدّمة ، واجعل الثّغور باسمة بحفظتها ولاحظ الأمور بحسن تدبيرك المألوف في سياستها ، واستوص خيرا بأمرائك الخالصين من الشّكوك ، السالكين في طاعتك أحسن السّلوك ، وضاعف لهم الحرمة ، وارع لهم الذّمّة ، لا سيّما أولي الفكر الثاقب ، والرأي الصائب ؛ فشاورهم في مهمّات الأمور ، واشرح بإحسانك منهم الصّدور ، وارع حقوق المهاجرين والأنصار ، الذين سلكت معك مطاياهم البطاح والقفار ، وهجروا محبوبهم من الوطن والدار ، وجالدوا وجادلوا ، وآووا في سبيلك وقاتلوا ، وأنل كلَّا منهم ما يرجوه ، واشرح صدورهم بإدراك ما أمّلوه ؛ وجيوش الإسلام فاغرس محبتك في قلوبهم بإحسانك ، وكما سبقتهم بإحسانك فتحبّب إليهم بجزيل امتنانك ؛ وجيوش البحر فكن لها محيطا ، وبجليّات مشيها محيطا ( 1 ) ؛ فإنها توجّه للأصقاع ، سليمانيّة الإسراع ، تقذف بالرّعب في قلوب أعداء الدين ، وتقلع بقلوعها آثار الملحدين ، فواصل تجهيز السّرايا لركوب ثبجه ( 2 ) ، والغوص إلى أعداء اللَّه في عميق لججه ، وأجمل النظر في بيت اللَّه الحرام ، وحرم رسوله ، عليه أفضل الصلاة والسلام : لتسلك عين الأمن الأباطح ، وتقرّ عيون حمره بالمائح والماتح ( 3 ) ، وتتعرّف بعرفانك عرفات ، وترمى مخاوف
هامش
( 1 ) لعل محيطا الأولى : البحر ، والثانية من الإحاطة بالشيء أي العلم به . ( 2 ) ثبج البحر : وسطه . ( 3 ) الماتح : المستقي من أعلى البئر . والمائح : الذي يملأ الدلو من أسفل البئر . تقول العرب : هو أبصر من المائح إست الماتح ؛ تعني أن الماتح فوق المائح ، فالمائح يرى الماتح ويرى استه . ( انظر اللسان : 2 / 588 ) .