تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
الأصيل ، وصار اليوم كأمس ، ونسخت آية الليل بسورة الشمس ؛ واكتحلت الأعين بمرود السّبات ، وخاف كلّ من المسلمين إصدار البيات ( 1 ) .
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي بأخرى الأعادي ، فهو يقظان نائم !
إلى أن تراءت العين بالعين ، واضطرم نار الحرب بين الفريقين ؛ فلم تر إلا ضربا يجعل البرق نضوا ، ويترك في بطن كلّ من المشركين شلوا ؛ حتّى صارت المفاوز دلاصا ( 2 ) ؛ ومراتع الظَّبا للظَّبا عراصا ( 3 ) ؛ واقتنصت آساد المسلمين المشركين اقتناصا ، ورأى المجرمون النار فظنّوا أنّهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مناصا ؛ فلا روضة إلا درع ولا جدول إلا حسام ، ولا غمامة إلا نقع ولا وبل إلا سهام ؛ ولا مدام إلا دماء ولا نغم إلا صهيل ، ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل ؛ حتّى صار كافور الدّين شقيقا ، وتلوّن الحصباء من الدّماء عقيقا ؛ وضرب النقع في السماء طريقا ، وازدحمت الجنائب في الفضاء فجعلته مضيقا ؛ وقتل من المشركين كلّ جبّار عنيد ، ذلك بما قدّمت أيديهم * ( وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * ( 4 ) . قلت : وهذه النسخة تلقّفتها من أفواه بعض الناس ، ذكر أنه وجدها في بعض المجاميع فحفظها منه ، وهي في غاية من البلاغة ، إلا أنها لا تخلو من تغيير وقع في بعض أماكنها ، ولعله من الناقل لها ، من حيث إنه ليس من أهل هذه الصناعة . ولم يسعني ترك إيرادها لما فيها من المحاسن ، ولانفرادها بأسلوب من الأساليب التي
هامش
( 1 ) البيات : المفاجأة . يقال : أتاهم الأمر بياتا : فجأة في جوف الليل . ( 2 ) الدّلصة : الأرض المستوية . والجمع : دلاص . والمفاوز : جمع مفازة ، وهي الصحراء والمهلكة . ( 3 ) العراص : جمع عرصة ، وهي ساحة الدار والبقعة الواسعة . ( 4 ) فصّلت / 46 والآية بتمامها : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِه ومَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 388 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين