تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
فجاء مضمّخا بالخلوق . وأشقر قد كشف البرق عذاره ، وأطار الرّكض منه شراره ؛ ومعها كلّ فيل كأنّه غمام تبدّى ، أو ملك مفدّى ، بخرطوم يرتدّ كالصّولجان ، ويمتدّ كالأفعوان ، ويهول منظره كأنه من تمام الخلق بنيان ، ويتحرّك فتحسبه كمّ راقصة تشير به إلى النّدمان ؛ تقشعرّ منها الجلود ، وتقتل نفسها بنيران الحقد محافظة على عهود الهنود ؛ كم أحسنت بخراطيمها لها من صدورها الضيّقة مخرجا ، وأضاءت فروجها بين أنيابها طرّة صبح تحت أذيال الدّجى ؛ وزرافة ، لها إنافة ، كأنّها شفق بينه نجوم ، أو بروق تكلَّلت بقطر الغيوم ؛ لها في المدخل على القلوب حذاقة ، وولوج من باب ودخول من طاقة . وحمارة وحشيّة جاءت بوصف الرّبيع في اعتدال الليل والنّهار ، وجمعت الهالات والأقمار ، ودلَّت على أصل كريم تفتّحت في فروعه الأزهار ، وحكت بخطوطها الدّوح مما تراكم ظلَّه فأظلم وانفرج فأنار . ونمر يؤلف على نفاره ، ويسبح ليله في أنهار نهاره ؛ يتدفّق في مثل أنبوب القناة المضطمر ( 1 ) ، ويصدّق من شبّه ركود الرّبا على الرّمال بقطعة من جلدة النّمر . وقطَّ الزّباد ( 2 ) الذي لا تحكيه الأسود في صورها ، ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه ( 3 ) الطيّب في سررها ؛ كم تنقّل في بيوت وطابت موطنا ، ومشى من دار أصحابه فقالوا : ربّنا عجّل لنا قطَّنا ؛ وكذلك من الطَّيب ، ما يطيب ، وما يزور بنفحه الحبيب ؛ قد بعث أكبره ، وأفاد أكثره ، واستخدم المتنعّمون به صندله وكافوره وعنبره . وغير هذه الأنواع مما جاد بإرساله ، وأتى من كلّ بديع به وبأمثاله ؛ فقوبلت بالقبول هذه التّحف ، وأكرمت إكرام من لها عرف و [ بها ] اعترف ؛ وحمد سحابه الذي تسرّعت مواطره ، وبعثت من طرفها بالروض وما تنوء عنه أزاهره ، وشرعت بما اتّصلت بمصر أوائله وباليمن أواخره ؛ واللَّه تعالى يشكر هممه التي تعالت ، وشيمه العلويّة التي لأجلها المحامد قد توالت . وقد جهّزنا له
هامش
( 1 ) المضطمر : الضامر . ( 2 ) قط الزباد : حيوان ثديي من الفصيلة الزبادية ، قريب من السنانير ، له كيس عطر قرب الشرج يفرز مادة دهنية تستخدم في كثير من بلاد الشرق أساسا للعطر . ( الموسوعة العربية الميسرة : 918 ) . ( 3 ) قط الزباد : حيوان ثديي من الفصيلة الزبادية ، قريب من السنانير ، له كيس عطر قرب الشرج يفرز مادة دهنية تستخدم في كثير من بلاد الشرق أساسا للعطر . ( الموسوعة العربية الميسرة : 918 ) .