الهناء إذا سنح وفي الدمع إذا سفح ؛ وما مثل مكارم المولى من يعزب ذلك عن علمها ، ولا يعزى إلى غير حكمها وحلمها ؛ وهو - أعزه اللَّه - ذو التّجارب التي مخضت له من هذه وهذه الزّبدة ، وعرضت عليه منها الهضبة والوهدة . والرغبة إلى اللَّه تعالى أن يجعل تلك المصيبة للرّزايا خاتمة ، كما لم يجعلها للظَّهور قاصمة ؛ وأن يجعلها بعد حمل هذا الهمّ وفصاله علي عليه فاطمة ، وأن يحبّب إلينا كلّ ما يلهي عن الأموال والأولاد ، من غزو وجهاد ، وأن يخوّلنا فليس يحدّ لدينا على مفقود تأدّبا مع اللَّه عز وجل غير السيوف فإنها تعرف بالحداد ، وأن لا تقصف رماحنا إلا في فود أو فؤاد ، ولا تحوّل سروج خيلنا إلا من ظهر جواد في السّرايا إلى ظهر جواد ، وأن لا تشق لدينا إلا أكباد النادّ ( 1 ) ، ولا تجز غير شعور ملوك التتار تتوّج بها رؤوس الرماح ويصعد بها على قمم الصّعاد ؛ واللَّه تعالى يشكر للمولى سعي مراثيه التي لولا لطف اللَّه بما صبّرنا به لأقامت الجنائز ، واستخفّت النحائز ( 2 ) ، ولأهوت بالنّفوس في استعمال الجائز من الأسف وغير الجائز ، ولا شغل اللَّه لبّ المولى بفادحه ، ولا خاطره بسانحة من الحزن أو بارحه ، ولا أسمعه لغير المسرّات من هواتف الإبهاج صادحه ، إن شاء اللَّه تعالى .
الأسلوب الرابع ( أن تفتتح المكاتبة بلفظ « أعزّ اللَّه تعالى أنصار المقام الشريف العالي » وعليها كان الأمر في أوّل الدولة التركية )
وهذه نسخة كتاب من ذلك ، كتب بها عن الملك المظفّر قطز ( 3 ) - وصاحب
هامش
( 1 ) النادّ : الشاذ عن القاعدة ، والعاصي .
( 2 ) النحائز : جمع نحيزة ( بالحاء المهملة ) وهي الطبيعة . يقال : هو كريم النحيزة .
( 3 ) هو قطز بن عبد اللَّه المعزّي ، سيف الدين : ثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام . كان مملوكا للمعزّ « أيبك » التركماني . وترقّى إلى أن كان في دولة المنصور بن المعز « أتابك » العساكر . ثم خلع المنصور وتسلطن مكانه سنة 657 ه وخلع على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري وجعله أتابك العساكر وفوض إليه جميع أمور المملكة . ونهض لقتال التتار ، وكانوا بعد تخريب بغداد قد . وصلوا إلى دمشق ، وهددوا مصر ؛ فجمع الأموال والرجال ، وخرج من مصر ، فلقي جيشا منهم في عين جالوت بفلسطين فكسرهم سنة 658 ه وطارد فلولهم إلى بيسان فظفر بهم ، ودخل دمشق في موكب عظيم ، وعزل من بقي من أولاد بني أيوب واستبدل بهم من اختار من رجاله ، ورجل يريد مصر . وبينما هو في الطريق تقدم منه أتابك عسكره بيبرس ووراءه عدد كبير من أمراء الجيش فتناولوه بسيوفهم فقتلوه وذلك سنة 658 ه في السادس عشر من ذي القعدة . ( انظر الأعلام : 5 / 201 وفوات الوفيات : 3 / 201 وما بعدها ) .