الإسلام . وإنّ بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما [ فادخلوها بسلام ] ( 1 ) ؛ وكان نزولنا على « كوكب » والشتاء في كوكبه ، وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه ؛ والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض ، وتكسو الجبال عمائمها البيض ؛ والأودية قد عجّت بمائها ، وفاضت عند امتلائها ؛ وشمخت أنوفها سيولا ، فخرقت الأرض وبلغت الجبال طولا ؛ والأوحال قد اعتقلت الطَّرقات ، ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات ؛ فتجشّمنا العناء نحن ورجال العساكر ، وكاثرنا العدوّ والزّمان وقد يحرز الحظَّ المكاثر ؛ وعلم اللَّه النيّة فأنجدنا بفضلها ، وضمير الأمانة فأعان على حملها ؛ ونزلنا من رؤوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من نقلها ، والوقوف بساحتها أهون من نقلها * ( وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * .
والحمد للَّه الذي ألهمنا بنعمته الحديث ، ونصر بسيف الإسلام الذي هو سيفه وسيف الإسلام الذي هو أخونا الطَّيّب على الخبيث ؛ فمدح السيف ينقسم على حدّيه ، ومدح الكريم يتعدّى إلى يديه ؛ والآن فالمجلس - أسماه اللَّه - يعلم أنّ الفرنج لا يسلون عما فتحنا ، ولا يصبرون على ما جرحنا ؛ فإنهم - خذلهم اللَّه - أمم لا تحصى ، وجيوش لا تستقصى ؛ ووراءهم من ملوك البحر من يأخذ كلّ سفينة غصبا ، ويطمع في كلّ مدينة كسبا ؛ ويد اللَّه فوق أيديهم ، واللَّه محيط بأقربيهم وأبعديهم ؛ و * ( سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) * . * ( لا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ) * .
وما هم إلا كلاب قد تعاوت ، وشياطين قد تغاوت . وإن لم يقذفوا من كلّ جانب دحورا ، ويتبعوا بكلّ شهاب ثاقب مدحورا ؛ استأسدوا واستكلبوا ، وتألَّبوا وجلَّبوا وأجلبوا ، وحاربوا وخرّبوا ؛ وكانوا لباطلهم الدّاحض ، أنصر منّا لحقّنا
هامش
( 1 ) الزيادة عن الطبعة الأميرية من « كتاب الروضتين في أخبار الدولتين » 2 / 136 .