عاملين بقوله تعالى : * ( وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) * ( 1 ) .
وأمّا ما جعلوه عذرا في الإقامة بأطراف البلاد وعدم الإقدام عليها ، وأنهم لو فعلوا ذلك ودخلوا بجيوشهم ربما أخرب البلاد مرورها ، وبإقامتهم فسدت أمورها ؛ فقد فهم هذا المقصود ، ومتى ألفت العباد والبلاد منهم هذا الإشفاق ؟
ومتى اتّصفت جيوشهم بهذه الأخلاق ؟ وها آثارهم موجودة على ملك آل سلجوق وما تعرّضوا لدار ولا جار ، ولا عفّوا أثرا من الآثار ؛ ولا حصل لمسلم منهم ضرر ، ولا أوذي في ورد ولا صدر ؛ وكان أحدهم يشتري قوته بدرهمه وديناره ، ويأبى أن تمتدّ إلى أحد من المسلمين يد إضراره ؛ هذه سنّة أهل الإسلام ، وفعل من يريد لملكه الدوام .
وأما ما أرعدوا به وأبرقوا ، وأرسلوا به عنان قلمهم وأطلقوا ؛ وما أبدوا من الاهتمام بجمع عساكرهم وتهيئة المجانيق إلى غير ذلك مما ذكره من التهويل ، فاللَّه تعالى يقول : * ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وقالُوا حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الْوَكِيلُ ) * ( 2 ) .
وأما قولهم : وإلا فدماء المسلمين مطلولة ، فما كان أغناهم عن هذا الخطاب ، وأولاهم بأن لا يصدر إليهم عن ذلك جواب ؛ ومن قصد الصّلح والإصلاح ، كيف يقول هذا القول الذي عليه فيه من جهة اللَّه تعالى ومن جهة رسوله أيّ جناح ؟ وكيف يضمر هذه النية ، ويتبجّج بهذه الطويّة ؟ ولم يخف مواقع زلل هذا القول وخللَّه ، والنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « نيّة المرء أبلغ من عمله » وبأيّ طريق تهدر دماء المسلمين التي من تعرّض إليها يكون اللَّه له في الدنيا والآخرة مطالبا وغريما ، ومؤاخذا بقوله تعالى : * ( ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُه جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وغَضِبَ الله عَلَيْه ولَعَنَه وأَعَدَّ لَه عَذاباً عَظِيماً ) * ( 3 ) ؟ وإذا كان الأمر كذلك
هامش
( 1 ) الأنفال / 60 .
( 2 ) آل عمران / 173 .
( 3 ) النساء / 93 .