تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
اللَّه الحرام ، وشقيق مسجد رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام ؛ وإن احتججتم بأنّ زمام تلك الغارة بيدنا ، وسبب تعدّيهم من سنّتنا ؛ فقد أوضحنا الجواب عن ذلك ، وأنّ عدم الصّلح والموادعة أوجب سلوك هذه المسالك . وأما ما ادّعوه من سلوك سنن المرسلين ، واقتفاء آثار المتقدّمين ، في إنفاذ الرّسل أوّلا ، فقد تلمحنا هذه الصّورة ، وفهمنا ما أوردوه من الآيات المسطورة ؛ والجواب عن ذلك أنّ هؤلاء الرّسل ما وصلوا إلينا إلا وقد دنت الخيام من الخيام ، وناضلت السهام السّهام ، وشارف القوم ، ولم يبق للَّقاء إلا يوم أو بعض يوم ؛ وأشرعت الأسنّة من الجانبين ، ورأى كلّ خصمه رأى العين ؛ وما نحن ممن لاحت له رغبة راغب فتشاغل عنها ، ولا ممن يسالم فيقابل ذلك بجفوة النّفار ، واللَّه تعالى يقول : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) * ( 1 ) كيف والكتاب بعنوانه ! وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه يقول : « ما أضمر إنسان شيئا إلا ظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه » . ولو كان حضور هؤلاء الرسل والسّيوف وادعة في أغمادها ، والأسنّة مستكنّة في أعوادها ؛ والسّهام غير مفوّقة ، والأعنّة غير مطلقة ؛ لسمعنا خطابهم ، وأعدنا جوابهم . وأما ما أطلقوا به لسان قلمهم ، وأبدوه من غليظ كلمهم ؛ في قولهم : فصبرنا على تماديكم في غيّكم ، وإخلادكم إلى بغيكم ؛ فأيّ صبر ممن أرسل عنانه إلى المكافحة ، قبل إرسال رسل المصالحة ؛ وجاس خلال الدّيار ، قبل ما زعمه من الإعذار والإنذار ؟ وإذا فكَّروا في هذه الأسباب ، ونظروا ما صدر عنهم من خطاب ، علموا العذر في تأخير الجواب ، وما يتذكَّر إلا أولوا الألباب . وأمّا ما تبجّحوا به مما اعتقدوه من نصرة ، وظنّوه من أنّ اللَّه جعل لهم على حزبه الغالب في كلّ كرة الكرّة ؛ فلو تأمّلوا ما ظنّوه ربحا لوجدوه هو الخسران المبين ، ولو أنعموا النظر في ذلك لما كانوا به مفتخرين ؛ ولتحققوا أنّ الذي اتّفق
هامش
( 1 ) الأنفال / 6 .