اعتدّينا وجمعنا جيوشنا من كل مكان ، وبذلنا في الاستعداد غاية الجهد والإمكان ؛ وأنفقنا جزيل الأموال في العساكر والجحافل ، ووثقنا بحسن الخلف لقوله تعالى :
* ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ) * ( 1 ) ولمّا خرجنا من الديار المصرية ، بلغنا خروج الملك من البلاد ، لأمر حال بينه وبين المراد ؛ فتوقّفنا عن المسير توقّف من أغنى رعبه عن حثّ الركاب ، وتثبّتنا تثبّت الراسيات * ( وتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) * ( 2 ) وبعثنا طائفة من العساكر لمقاتلة من أقام بالبلاد فما لاح لنا منهم بارق ولا ظهر ، وتقدّمت فتخطَّفت من حمله على التأخّر الغرر ، ووصلت إلى الفرات فما وقفت للقوم على أثر .
وأما قولهم : إننا ألقينا في قلوب العساكر والعوامّ أنهم فيما بعد يتلقّونا على حلب أو الفرات ، وأنهم جمعوا العساكر ورحلوا إلى الفرات وإلى حلب مرتقبين ؛ فالجواب عن ذلك أنهم من حين بلغنا حركتهم جزمنا ، وعلى لقائهم عزمنا ؛ وخرجنا وخرج أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللَّه ابن عم سيدنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الواجب الطاعة على كلّ مسلم ، المفترض المبايعة والمتابعة على كل منازع ومسلَّم ؛ طائعين للَّه ولرسوله في أداء مفترض الجهاد ، باذلين في القيام بما أمرنا اللَّه تعالى غاية الاجتهاد ؛ عالمين بأنه لا يتمّ أمر دين ولا دنيا إلا بمشايعته ، ومن والاه فقد حفظه اللَّه تعالى وتولَّاه ، ومن عانده أو عاند من أقامه فقد أذلَّه اللَّه ؛ فحين وصلنا إلى البلاد الشامية تقدّمت عساكرنا تملأ السّهل والجبل ، وتبلَّغ بقوّة اللَّه تعالى في النصر الرّجاء والأمل ؛ ووصلت أوائلها إلى أطراف حماة وتلك النواحي فلم يقدم أحد منهم عليها ، ولا جسر أن يمدّ حتّى ولا الطَّرف إليها ؛ فلم نزل مقيمين حتّى بلغنا رجوع الملك إلى البلاد ، وإخلافه موعد اللقاء واللَّه لا يخلف الميعاد ؛ فعدنا لاستعداد جيوشنا التي لم تزل تندفع في طاعتنا اندفاع السيل ،
هامش
( 1 ) البقرة / 261 .
( 2 ) النمل / 88 .