تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
الملك المتّقي ، المشفق من قومه على من بقي ؛ المفكَّر في العواقب ، بالرأي الثاقب ؛ وإلا فلو تركوا وآراءهم حتّى تحملهم الغرّة ، لكانت تكون هذه هي الكرّة ؛ لكن هو كمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فلم يوافق قول من ضلّ ولا فعل من غوى . وأما القول منه إنه لا يحبّ المسارعة ، إلى المقارعة ، إلا بعد إيضاح المحجّة ، وتركيب الحجّة ؛ فبانتظامه في سلك الإيمان صارت حجّتنا وحجته متركَّبة ، على من غدت طواغيته عن سلوك هذه المحجّة متنكَّبة ، فإن اللَّه سبحانه وتعالى والناس كافّة قد علموا أنّ قيامنا إنما هو لنصرة هذه الملة ، وجهادنا واجتهادنا إنما هو للَّه ؛ وحيث قد دخل معنا في الدّين هذا الدّخول ، فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذّحول ( 1 ) ؛ وبارتفاع المنافرة ، تحصل المظافرة ؛ فالإيمان كالبنيان يشدّ بعضه ببعض ، ومن أقام مناره فله أهل بأهل في كل مكان وجيران بجيران بكلّ أرض . وأما ترتيب هذه الفوائد الجمّة على إذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن ، أعاد اللَّه تعالى من بركاته ، فلم ير لوليّ قبله كرامة كهذه الكرامة ، والرّجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كلّ دار إسلام دار إقامة ، حتّى تتمّ شرائط الإيمان ، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما كان ؛ ولا ينكر لمن بكرامته ابتداء هذا التمكين في الوجود ، أنّ كلّ حقّ ببركته إلى نصابه يعود . وأما إنفاذ أقضى القضاة قطب الملة والدين ، والأتابك بهاء الدين ؛ الموثوق بنقلهما في إبلاغ رسائل هذه البلاغة ، فقد حضرا وأعادا كلّ قول حسن من أحوال ( 2 ) أحواله ، وخطرات خاطره ، ومسطَّرات ( 3 ) ناظره ، ومن كلّ ما يشكر
هامش
( 1 ) الذحول : جمع الذّحل وهو الحقد والثأر . ( 2 ) في سيرة الملك المنصور : « من حوالي أحواله » والمراد : من نفائس أحواله . ( 3 ) في المرجع السابق : « ومنتظرات » .