في الدّين ، وخروجه عمن سلف من العشيرة الأقربين ؛ ولما فتح هذا الكتاب بهذا الخبر العلم المعلم ، والحديث الذي صحّح عند أهل الإسلام إسلامه وأصحّ الحديث ما روي عن مسلم ، توجّهت الوجوه بالدعاء إلى اللَّه سبحانه في أن يثبّته على ذلك بالقول الثابت ، وأن ينبت حبّ حبّ هذا الدين في قلبه كما أنبت أحسن النّبت من أخشن المنابت ؛ وحصل التأمّل للفصل المبتدأ بذكره من حديث إخلاصه في أوّل عنفوان الصّبا إلى الإقرار بالوحدانية ، ودخوله في الملَّة المحمدية ، بالقول والعمل والنيّة ؛ فالحمد للَّه على أن شرح صدره للإسلام ، وألهمه شريف هذا الإلهام ؛ فحمدنا اللَّه على أن جعلنا من السابقين إلى هذا المقال والمقام ، وثبّت أقدامنا في كلّ موقف اجتهاد وجهاد تتزلزل دونه الأقدام .
وأمّا إفضاء النّوبة في الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه ، وإفاضة جلابيب هذه النعمة العظيمة عليه ؛ وتوقّله ( 1 ) للأسرّة التي طهّرها اللَّه بإيمانه ، وأظهرها بسلطانه ؛ فلقد أورثها اللَّه من اصطفاه من عباده ، وصدّق المبشّرات من كرامة أولياء اللَّه وعبّاده .
وأمّا حكاية الإخوان والأمراء الكبار ومقدّمي العساكر وزعماء البلاد في مجمع فوريلياي ( 2 ) الذي ينقدح فيه زند الآراء ، وأن كلمتهم اتفقت على ما سبقت به كلمة أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب ، وأنه قد فكَّر فيما اجتمعت عليه آراؤهم ، وانتهت إليه أهواؤهم ؛ فوجده مخالفا لما في ضميره : إذ قصده الصّلاح ، ورأيه الإصلاح ؛ وأنه أطفأ تلك النائرة ، وسكَّن تلك الثائرة ؛ فهذا فعل
هامش
( 1 ) توقّل في الجبل : صعّد فيه . ويقال : توقّل في مصاعد الشرف .
( 2 ) الصواب : « قوريلتاي » . وعبارة رسالة السلطان أحمد إلى المنصور قلاوون : « فاجتمع عندنا في قوريلتاي المبارك - وهو المجمع الذي تنقدح فيه الآراء - جميع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار ومقدمو العساكر وزعماء البلاد » . وقوريلتاي في التركية Quriltay هو الاسم المغولي لمجلس السلطنة الذي يختار الحكام ويدرس المسائل العويصة التي لا يريد الحاكم أن يفصل فيها وحده . ( انظر سيرة الملك المنصور : ص 7 ودائرة المعارف الإسلامية : 12 / 383 ) .