تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
سيدنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الامام الحاكم ؛ وأجلَّوه عن رفعه على العين إذ كانت تلك بمنزلة الحاجب ، وقدّموا إليه خفوق قلوبهم الطائرة وما علموا إن كانوا قاموا بالواجب ؛ ووقفوا على أحكام حاكمه فما شكَّوا أنّ زمان هذا الفنّ بحياة ناصره في بغداد قد عاد ، وأنّ مثاله المتمثّل في سواد الحدق مما حكته أيامه العبّاسيّة من شعار السّواد ؛ وعلموا ما رسم به في معني محمد بن الحمصيّ الذي ما نوّرت الليلة أكاريخه ، ولا بعدت في الإقعاد له تواريخه ؛ بل أخمدت دموع ندمه نيرانه المشتعلة ، وأصبح به لا يحمل القوس في يده إلا أنه مشغلة ؛ وما كان أنهاه الدّيوان العزيز مما لم تذكر الخواطر الشريفة بأنه قبة المفترى ، وأنه صاحب القوس إلا أن ماله سعادة المشتري ؛ وأنه موّه تمويه الجاحد ، وتلوّن مثل قوس قزح وإلا فقوس البندق لون واحد ؛ وأدلى بغروره ، وعرض المحضر الذي حمله على تغريره ؛ وذلك في غيبة الأمير بهاء الدين أرسلان البندقدار الحاكمي ، الذي لو كان حاضرا لكان حجّة عليه ، ومؤكَّدا لإبطال رميه وقوسه وبندقه في يديه ؛ لما تضمّنه الخطَّ الشريف المقيّد اللفظ المكتتب على المصطلح ، الساحب ذيل فخاره على المقترح ، الذي هدى إلى الخير ، وبدا به ما وهب من الملك السليمانيّ الذي أوتي من كلّ شيء وعلَّم منطق الطير ( 1 ) ؛ فإنّه لم يكتب له إلا بأن يرمي على الوجه المرضيّ واستيفاء شروط البندق ، والخروج من جميع الأشكال عملا بقواعده ؛ ويعلم بأنه ما رعى حقّ قدمته ، ولا فعل في الباب العزيز ما يجب من التحلَّي بشعار الصّدق في خدمته ؛ وأنه خالف عادة الأدب ، وأخطأ في الكلّ لكنه ندب ( 2 ) ؛ وذلك بعد أن عمل له جميع رماة البندق ، وسئل فأجاب : بأنه سالم من كل إشكال
هامش
( 1 ) النطق والمنطق هو اللفظ المعبر عما في الضمير . وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه أو التبع كقولهم : نطقت الحمامة . وفي قوله تعالى : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ : النمل / 16 ، سمي أصوات الطير نطقا اعتبارا لسليمان النبي فإنه يفهمه ، فمن فهم من شيء معنى فإن ذلك الشيء بالإضافة إليه ناطق وإن كان صائتا . ( الكليات : 4 / 18 ) . ( 2 ) ندبه للأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب . ورمينا ندبا أي رشقا . والندب : الخطر . وانتدب الشيء : ظهر . والنّدب أيضا : القوس السريعة السهم ؛ فتأمل .