معزّيا له في أبيه ومهنّئا له بجلوسه في الملك بعده ، ما صورته : ( 1 ) أما بعد - خصّ اللَّه الملك المعظَّم حافظ بيت المقدس بالجدّ الصاعد ، والسّعد الساعد ؛ والحظَّ الزائد ، والتوفيق الوارد ؛ وهنأه من ملك قومه ما ورّثه ، وأحسن من هداه فيما أتى به الدهر وأحدثه ؛ فإن كتابنا صادر إليه عند ورود الخبر بما ساء قلوب الأصادق ( 2 ) ، والنّعي الذي وددنا أنّ قائله غير صادق ، بالملك العادل الأعزّ الذي لقّاه اللَّه خير ما لقّى مثله ، وبلَّغ الأرض سعادته كما بلَّغه محلَّه ؛ معزّ بما يجب فيه العزاء ، ومتأسّف لفقده الذي عظمت به الأرزاء ؛ إلا أنّ اللَّه سبحانه قد هوّن الحادث ، بأن جعل ولده الوارث ؛ وأنسى المصاب ، بأن حفظ به النّصاب ، ووهبه النعمتين : الملك والشّباب ؛ فهنيئا له ما حاز ، وسقيا لقبر والده الذي حقّ له
هامش
( 1 ) يقول الدكتور عبد القادر أحمد طليمات في دراسته عن وثائق القلقشندي في صبح الأعشى : « والرسائل الديوانية كثيرا ما تغير مفهوم الدارس الحديث للأحداث في ضوء أخبار المؤرخ ، أو في ضوء رسائل ديوانية أخرى . من ذلك الصورة المرسومة في الأذهان بأن سياسة صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين كانت سياسة عداء بحت ، وكانت بالتالي سياسة خصومة وجفاء وبخاصة مع الحكام منهم ؛ ولكن الرسالة التي أرسلها صلاح الدين إلى » بلدوين الخامس « ملك بيت المقدس يعزيه فيها بوفاة والده ، ويهنئه باستخلافه على مملكة بيت المقدس بعده وغبطة صلاح الدين باستخلافه وتمنياته الطيبة له بالتوفيق ، تغير معالم هذه الصورة تغييرا تاما ، وتكشف عن وجود أصول للعلاقات الدبلوماسية شبيهة بالعلاقات الدبلوماسية الحديثة . وأهمية هذه الرسالة ترجع إلى أنها أوقفتنا على سياسة صلاح الدين مع الصليبيين والتي لم ترد عند أي مؤرخ آخر ولا حتى عند المؤرخين المعاصرين لصلاح الدين كابن الأثير ، والعماد الكاتب ، وابن شداد ، وهي سياسة التودد إلى الصليبيين عندما يكون مشغولا بغيرهم . ففي الفترة ما بين سنة 570 ه وسنة 581 ه كان صلاح الدين مشغولا بحروبه مع بني زنكي للاستيلاء على دولتهم في الشام والجزيرة ، فأخذ يتودد إلى الصليبيين حتى ينال بغيته من الزنكيين ، ثم اتجه بعد ذلك إلى الصليبيين يقاتلهم . والرسالة وإن كانت موجهة إلى بردويل - وهو بلدوين الخامس ملك بيت المقدس الذي خلف أباه بلدوين الرابع - إلا أنه يفهم من مضمونها ، كما سنرى ، أن الرسائل كانت متبادلة بين صلاح الدين وبين بلدوين الرابع الذي يصفه صلاح الدين بالصديق ويتأسف لفقده . وتاريخ هذه الرسالة يعود إلى سنة 581 ه ؛ هذا وقد استولى صلاح الدين على بيت المقدس سنة 583 ه . ( انظر : القلقشندي وكتابه صبح الأعشى ص 119 - 144 ) .
( 2 ) الأصادق : جمع جمع لصديق .