كرّات رياح الاعتساف ، حتّى يتهيّأ للإسلام لوك طعمتها ، ويتهنّأ بفضل اللَّه إرث نعمتها ، ثم كانت عن موقفها الإفاضة من بعد نحر النّحور ، وقذف جمار الدّمار على العدوّ المدحور ، وتدافعت خلفنا السابقات المستقلَّات تدافع أمواج البحور .
وبعد أن ألححنا على جنّاتها المصحرة ، وكرومها المشتجرة ، إلحاح الغريم ، وعوّضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم ، وطاف عليها طائف من ربّنا فأصبحت كالصّريم ( 1 ) ، وأغرينا حلاق النار بحمم الجحيم ، وراكمنا في أجواف أجوائها غمائم الدّخان ، تذكَّر طيّبة البان ، بيوم الغميم ، وأرسلنا رياح الغارات لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرّميم ، واستقبلنا الوادي يهول مدّا ، ويروع سيفه الصّقيل حدّا ، فيسّره اللَّه من بعد الإعواز ، وانطلقت على الفرضة [ بتلك العرضة ] ( 2 ) أيدي الانتهاز ، وسألنا من ساءله أسد بن الفرات فأفتى برجحان الجواز فعمّ الاكتساح والاستباح جميع الأحواز ، فأديل المصون ، وانتهبت القرى وهدمت الحصون ، واجتثّت الأصول وحطَّمت الغصون ، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصافحها بالبوس ، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس . فهي الآن مجرى السوابق ومجرّ العوالي ، على التوالي ، والحسرات تتجدّد في أطلالها البوالي ، وكأنّ بها قد صرعت ، وإلى الدّعوة المحمّديّة قد أسرعت بقدرة من لو أنزل القرآن على الجبال لخشعت من خشية اللَّه وتصدّعت ، وعزّة من أذعنت الجبابرة لعزّه وخنعت ، وعدنا والبنود لا يعرف اللفّ نشرها ، والوجوه المجاهدة لا يخالط التقطيب بشرها ، والأيدي بالعروة الوثقى معتلقه ، والألسن بشكر نعم اللَّه منطلقه ، والسيوف في مضاجع الغمود قلقه ، وسرابيل الدّروع خلقه ، والجياد من ردّها إلى المرابط والأواري ردّ العواري حنقه ، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقه ، تنظر إلينا نظر العاتب ،
هامش
( 1 ) الصريم : الأرض المحصود زرعها .
( 2 ) الزيادة من ريحانة الكتاب ص 200 .