تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
وأمسك المحاسن وأطلق الغرّة ، وسئل من أنت في قوّاد الكتائب ، وأولي الأخبار العجائب ، فقال أنا المهلَّب بن أبي صفرة ؛ نرجس هذه الألوان ، في رياض الأكوان ، تحيا به وجوه الحرب العوان ، أغار بنخوة الصائل ، على معصفرات الأصائل فارتداها ، وعمد إلى خيوط شعاع الشمس ، عند جانحة الأمس ، فألحم منها حلَّته وأسداها ، واستعدت عليه ملك المحاسن فما أعداها ، فهو أصيل تمسّك بذيل الليل عرفه وذيله ، وكوكب يطلعه من القتام ليله ، فيحسده فرقد الأفق وسهيله - وأشهب تغشّى من لونه مضاضه ، وتسربل منه لأمة ( 1 ) فضفاضة ، قد احتفل زينه ، لما رقم بالنّبال لجينه ، فهو الأشمط ، الذي حقّه لا يغمط ، والذّراع المسارع ، والأعزل الدّارع ، وراقي الهضاب الفارع ، ومكتوب الكتيبة البارع ، وأكرم به من مرتاض سالك ، ومجتهد على غايات السابقين الأوّلين متهالك ، وأشهب يروي من الخليفة ، ذي الشّيم المنيفة ، عن مالك - وحباريّ كلَّما سابق وبارى استعار جناح الحبارى ( 2 ) ، فإذا أعملت هذه الحسبة ، قيل من هنا جاءت النّسبة ، طرد النّمر ، لما عظم أمره وأمر ، فنسخ وجوده بعدمه ، وابتزّه الفروة ثم لطَّخه بدمه ، وكأن مضاعف الورد نثر عليه من طبقه ، أو الفلك ، لما ذهب الحلك ، مزج فيه بياض صبحه بحمرة شفقه - وقرطاسيّ حقّه لا يجهل ، حتّى ما ترقى العين فيه تشهل ، إن نزع عنه جلَّه ، فهو نجم كلَّه ، انفرد بمادّة الألوان ، قبل أن تشوبها يد الأكوان ، وتمزجها أقلام الملوان ( 3 ) ، يتقدّم منه الكتيبة المقبلة لواء ناصع ، أو أبيض مماصع ( 4 ) ، لبس وقار المشيب ، في ريعان العمر القشيب ، وأنصتت الآذان من صهيله المطيل المطيب ، لما ارتدى بالبياض إلى نغمة الخطيب ، وإن تعتّب منه للتأخير المتعتّب ، قلنا الواو لا
هامش
( 1 ) اللأمة : الدرع ، والجمع لأم . ( 2 ) الحبارى : طائر يقع على الذكر والأنثى ، واحده وجمعه سواء . ( 3 ) الملوان : الليل والنهار أو طرفاهما ، الواحد ملا . ( 4 ) يقال : ماصع القوم : قاتلوا وجالدوا ، وماصع فلانا : ضربه بالسيف .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 543 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين