وإلى الرامي الذي سدّده منسوبة ، ولا تنكر على الغمام بارقة ، ولا على المتحقّقين بمقام التوحيد كرامة خارقة ، فما شاءه الفضل من غرائب برّ وجد ، ومحاريب خلق كريم ركع الشّكر فيها وسجد . حديقة بيان استثارت نواسم الإبداع من مهبّها ، واستزارت غمائم الطَّباع من مصبّها ، فآتت أكلها مرتين بإذن ربّها ، لا ، بل كتيبة عزّ طاعنت بقنا الألفات سطورها ، فلا يرومها النقد ولا يطورها ، ونزعت عن قسيّ النّونات خطوطها ، واصطفّت من بياض الطَّرس وسواد النّقس بلق تحوطها .
فما كأس المدير على الغدير ، بين الخورنق ( 1 ) والسّدير ( 2 ) ، تقامر بنرد الحباب عقول ذوي الألباب ، وتغرق كسرى في العباب ، وتهدي وهي الشّمطاء نشاط الشّباب ، وقد أسرج ابن سريج وألجم ، وأفصح الغريض ( 3 ) بعد ما جمجم ، وأعرب الناي الأعجم ، ووقّع معبد بالقضيب ، وشرعت في حساب العقد بنان الكفّ الخضيب ، وكأنّ الأنامل فوق مثالث العود ومثانيه ، وعند إغراء الثقيل بثانيه ، وإجابة صدى الغناء بين مغانيه ، المراود تشرع في الوشي ، أو العناكب تسرع في المشي ، وما الخبر بنيل الرغائب ، أو قدوم الحبيب الغائب ، لا بل إشارة البشير ، بكمّ المشير على العشير - بأجلب للسّرور ، من زائره المتلقّى بالبرور ، وأدعى للحبور ، من سفيره المبهج للسّفور ، فلم نر مثله من
هامش
( 1 ) الخورنق ، بفتح أوله وثانيه وراء ساكنة : قصر كان بظهر الحيرة ، أمر ببنائه النعمان بن امرئ القيس ابن عمرو بن لخم بن عدي ، كان ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستين سنة بناه له رجل من الروم يقال له سنمار . معجم البلدان ( ج 2 ص 401 ) .
( 2 ) السدير ، بفتح أوله وكسر ثانيه وسكون الياء : قصر قريب من الخورنق كان النعمان الأكبر اتخذه لبعض ملوك العجم . معجم البلدان ( ج 3 ص 201 ) .
( 3 ) هو أبو زيد عبد الملك ، من مولَّدي البربر ، ومن أشهر المغنّين في صدر الإسلام سكن مكّة وكان صاحب معبد . كان يضرب بالعود وينقر بالدف . سمي الغريض باسم الطلع ، ويقال فيه الغريض والاغريض ، وانما سمي به لنقاء لونه ، وقيل : سمي به لطراوته . انظر الأغاني ( ج 2 ص 318 ) ووفيات الأعيان ( ج 3 ص 437 - 438 ) والأعلام ( ج 4 ص 156 ) .