تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
رعبا ، وإذا دلفت إليه ذراعا ، نكص عنّي باعا . وتوافت إلى حضرتي وجوه القبائل من عقيل وشيبان وغيرهما في الجمع الكثيف من صعاليكهما ، والعدد الكثير من صناديدهما ، داخلين في الطاعة ، متصرّفين في عوارض الخدمة . فلما شارفت الحديثة ( 1 ) ، انتقضت عزائم صبره ، وتقوّضت دعائم أمره ، وبطلت أمانيّه ووساوسه ، واضمحلَّت خواطره وهواجسه ، واضطرب عليه من ثقاته وغلمانه من كان بهم يعتضد ، وعليهم يعتمد ، وبدأوا بخذلانه والأخذ لنفوسهم ، ومفارقته والطَّلب بحظوظهم ، وحصل ( 2 ) منهم بحضرتي إلى هذه الغاية زهاء خمسمائة رجل ذوي خيل مختارة ، وأسلحة شاكية ، فصادفوا عندي ما أمّلوا من فائض الإحسان ، وغامر الامتنان ، وذكروا عمّن وراءهم من نظرائهم التنزّي ( 3 ) إلى الانجذاب ، والحرص على الاستئمان ، وأنهم يردون ولا يتأخّرون ، ويبادرون ولا يتلوّمون . ولمّا رأى ذلك ، لم يملك نفسه أن مضى هاربا على طريق سنجار ( 4 ) ، منكشفا عن هذه الدّيار ، قانعا من تلك الآمال الخائبة ، والظَّنون الكاذبة ، بسلامة حشاشة هي رهينة غيّها ، وصريعة بغيها . وكان انهزامه بعد أن فعل الفعل السّخيف ، وكادنا الكيد الضّعيف ، بأن
هامش
( 1 ) هي حديثة الموصل ، وهي بليدة كانت على دجلة ، وقيل : كانت قصبة كورة الموصل . معجم البلدان ( ج 2 ص 230 ) . ( 2 ) في المختار ص 127 : « وحصل بحضرتي منهم » . ( 3 ) التنزّي : النزوع . ( 4 ) سنجار ، بكسر أوله وسكون ثانيه ، مدينة مشهورة من نواحي الجزيرة ، بينها وبين الموصل ثلاثة أيام . معجم البلدان ( ج 3 ص 262 ) .