تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
التقليب ، فإذا هو الرجل الذي أطاع أبوه فيه هوى أمّه ( 1 ) ، وعصى دواعي رأيه وحزمه ، وقدّمه من ولده على من هو آنس رشدا ، وأكبر سنّا ، وأثبت جأشا ، وأجرأ جنانا ، وأشجع قلبا ، وأوسع صدرا ، وأجدر بمخايل النّجابة ، وشمائل اللَّبابة . فلما اجتمعت له أسباب القدرة والثّروة ، وأمكنته مناهز الغرّة والفرصة ، وثب عليه وثبة السّرحان ( 2 ) ، في ثلَّة ( 3 ) الضّان ، وجزاه جزاء أمّ عامر ( 4 ) لمجيرها ، إذ فرته بأنيابها وأظافيرها ؛ واجتمع وأخوه من الأمّ ، المرتضع معه لبان الإثم ، المكنّى أبا البركات - وليس بأب لها ، ولا حريّ بشيء منها - على أن نشزا عنه وعقّاه ، وقبضا عليه وأوثقاه ، وأقرّاه من قلعتهما ( 5 ) بحيث تقرّ العتاة ، وتعاقب الجناة ، ثم أتبعا ذلك باستحلال دمه ، وإفاضة مهجته ، غير راعيين فيه حقّ الأبوّة ، ولا حانيين عليه حنوّ البنوّة ، ولا متذمّمين من الإقدام على مثله ممن
هامش
( 1 ) هي فاطمة بنت أحمد الكردية ، وقد ذكرها ابن الأثير في كتابه الكامل ( ج 8 ص 593 ) فقال : « فاطمة بنت أحمد الكردية ، وكانت مالكة أمر ناصر الدولة ، فاتفقت مع ابنها أبي تغلب ، وقبضوا على ناصر الدولة » انظر كذلك حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) السرحان : الذئب . ( 3 ) أي في جماعة الغنم . ( 4 ) أم عامر هي الضبع ، يشبّه بها الأحمق . وهي كما زعموا من أحمق الدواب ، لأنهم إذا أرادوا صيدها رموا في حجرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده ، فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك . ومن أمثالهم « خامري أمّ عامر » أي استتري . انظر مجمع الأمثال للميداني ( ج 1 ص 238 ) تحت رقم 1265 ، ولسان العرب مادة ( عمر ) . ( 5 ) في سنة 356 ه قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة أحد ملوك بني حمدان على أبيه ، وحبسه في القلعة . وكان سبب قبضه أنه كان قد كبر وساءت أخلاقه ، وضيّق على أولاده وأصحابه ، وخالفهم في أغراضهم للمصلحة فضجروا منه . وكان فيما خالفهم فيه أنه لما مات معزّ الدولة عزم أولاده على قصد العراق وأخذه من بختيار ، فنهاهم وقال لهم : إنّ معزّ الدولة قد خلف مالا يستظهر به ابنه عليكم ، فاصبروا حتى يفرّق ما عنده من المال ثم اقصدوه وفرّقوا الأموال ، فوثب عليه أبو تغلب ، فقبضه ورفعه إلى القلعة ، ووكّل به من يخدمه . ثم مات ناصر الدولة سنة 358 ه . انظر الكامل في التاريخ ( ج 8 ص 579 - 580 ، 593 ) وحاشية الطبعة الأميرية .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 481 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين