العقد ، وأجرى إليّ ( 1 ) أمورا كرهتها ، ونفد ( 2 ) الصبر منّي عليها . وخفت أن أستمرّ على الإغضاء عنها والمسامحة فيها ، فيطَّلع اللَّه مني على إضاعة الاحتياط في أمر قلَّدني أمير المؤمنين ( 3 ) زمامه ، وضمّنني دركه ، وإرخاء لبب ( 4 ) رجل قبل ( 5 ) في الاعتماد عليه رأيي ، وعوّل في أخذه بما يلزمه على نظري واستيفائي - فتناولته بأطراف العذل ملوّحا ، ثمّ بأثباجه ( 6 ) مفصحا مصرّحا .
ورسمت لعبد أمير المؤمنين الناصح أبي طاهر أن يجدّ به وبوسطائه وسفرائه في حال ، ويدخل عليه من طريق المشورة والرّفق في أخرى ، ويتنقّل معه بين الخشونة التي يقفو فيها أثري ، واللَّين الذي لا يجوز أن يحسّه مني ، تقديرا لانثنائه ، وزوال التوائه ، ففعل ذلك على رسمه في التأنّي لكلّ فاسد حتى يصلح ، ولكلّ آب حتّى يسمح ، ولم يدع التناهي في وعظه ، والتّمادي في نصحه وتعريفه سوء عاقبة اللَّجاج ، ومغبّة الإحراج ، وهو يزيد طمعا في الأموال وشرها ، وعمى في الرأي وعمها ، إلى أن كاد أمرنا معه يخرج عن حدّ الانتظار ، إلى حدّ الرضا بالإصرار ، فاستأنفت ادّراع الحزم ، وامتطاء العزم ، ونهضت إلى أعمال الموصل وعندي أنه يغنيني عن الإتمام ، ويتلقّاني بالإعتاب ( 7 ) وينقاد إلى المراد ، ويتجنّب طرق العناد .
فحين عرف خبر مسيري ، وجدّي فيه وتشميري ، برز بروز المكاشف ، وتجرّد تجرّد المواقع المواقف ، وهو مع ذلك إذا ازددت منه قربا ، ازداد منّي
هامش
( 1 ) في المختار : « وأجرى إلى أمور » .
( 2 ) في المصدر السابق : « ونفذ » بالذال المعجمة .
( 3 ) في المصدر السابق : « أطال اللَّه بقاءه زمامه » .
( 4 ) اللبب : ما يشدّ على صدر الناقة أو الدابة ، ومنه إرخاء اللبب مجازا في إطلاق اليد ، ويقال : فلان في لبب رخيّ كما يقال : في بال رخيّ .
( 5 ) في المختار ص 125 : « فيّل » أي جعله فائلا أي مخطئا .
( 6 ) الاثباج : ج ثبج ، وثبج كل شيء هو معظمه ووسطه وأعلاه .
( 7 ) الاعتاب والعتبى : هو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب .