أغرق ( 1 ) سفن الموصل وعروبها ( 2 ) ، وأحرق جسرها ( 3 ) واستذمّ ( 4 ) إلى أهلها ، وتزوّد منهم اللعن المطيف به أين يمّم ، الكائن معه حيث خيّم .
ودخلتها يومي هذا - أيّد اللَّه أمير المؤمنين - دخول الغانم الظافر ، المستعلي الظاهر ، فسكَّنت نفوس سكَّانها ، وشرحت صدور قطَّانها ، وأعلمتهم ما أمرني به أمير المؤمنين - [ أدام اللَّه عزّه ] ( 5 ) وأعلى اللَّه أمره - من تأنيس وحشتهم ، ونظم ألفتهم ، وضمّ نشرهم ، ولمّ شعثهم ، وإجمال السّيرة فيهم في ضروب معاملاتهم وعلقهم ، وصنوف متصرّفاتهم ومعايشهم ، فكثر منهم الثناء والدعاء ، واللَّه سامع ما رفعوا ، ومجيب ما سألوا .
وأجلت حال هذا الجاهل - أيّد اللَّه أمير المؤمنين - عن أقبح هزيمة ، وأذلّ هضيمة ، وأسوإ رأي ، وأنكر اختيار ؛ لأنه لم يلقني لقاء الباخع بالطاعة ، المعتذر من سالف التفريط والإضاعة ، ولا لقاء المصدّق لدعواه في الاستقلال بالمقارعة ، المحقّق لزعمه في الثبات للمدافعة ، ولا كان في هذين الأمرين بالبرّ التّقيّ ، ولا الفاجر الغويّ ( 6 ) ، بل جمع بين نقيصة شقاقه وغدره ، وفضيحة جبنه وخوره ، متنكَّبا ( 7 ) للصّلاح ، عادلا عن الصّواب ، قد ذهب عنه الرّشاد ، وضربت بينه وبينه الأسداد ، وأنزله اللَّه منزلة مثله ممّن أساء حفظ الوديعة ، وجوار الصّنيعة ، واستوجب نزعهما منه وتحويلهما عنه .
وتأمّلت - أيّد اللَّه مولانا أمير المؤمنين - أمره بالتّجريب ، وتصفّحته على
هامش
( 1 ) في المختار : « غرق » .
( 2 ) وهكذا في المختار ، والأصح : العربات ، بالفتح ، وهي سفن رواكد كانت في دجلة ، واحدتها عربة بالفتح أيضا . لسان العرب والقاموس ، مادة ( عرب ) .
( 3 ) الجسر ، بفتح الجيم : العظيم من الإبل .
( 4 ) أي فعل ما يذمّونه عليه .
( 5 ) الزيادة من المختار .
( 6 ) في المختار ص 128 : « القوي » .
( 7 ) تنكبه مثل تنكب عنه .