تقدّمت عند سلطانه قدمه ( 1 ) ، وتوكَّدت أواصره وعصمه ، ولا راحمين له من ضعف شيخوخته ، وذهل ( 2 ) كبرته ، ولا مصغيين إلى وصيّة اللَّه إيّاهما به ، التي نصّها في محكم كتابه ، وكرّرها في آية وبيناته إذ يقول : * ( اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) * ( 3 ) وإذ يقول : * ( وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) * ( 4 ) .
فبأيّ وجه يلقى اللَّه قاتل والد حدب ( 5 ) قد أمر أن لا ينهره ؟ وبأيّ لسان ينطق يوم يسأل عما استجازه فيه وفعله ؟ وتاللَّه ( 6 ) ! لو أنّ بمكانه عدوّا لهما قد قارضهما الذّحول ( 7 ) ، وقارعهما عن النّفوس ، لقبح بهما أن يلؤما ذلك اللَّؤم عند الظَّفر به ، وأن يركبا تلك الخطَّة الشّنعاء في الأخذ بناصيته ، ولم يرض « فضل اللَّه » بما أتاه إليه حتّى استوفى حدود قطع الرّحم ، بأن تتبّع ( 8 ) أكابر إخوته السالكين خلاف سبيله ، المتبرّئين إلى اللَّه من عظيم ما اكتسب ، ووخيم ما احتقب ، لمّا غضبوا لأبيهم ، وامتعضوا من المستحلّ فيه وفيهم ، فقبض على محمد بن ناصر الدولة حيلة وغيلة ، وغدرا ومكيدة ، ونابذ حمدان بن ناصر الدولة منابذة خار ( 9 ) اللَّه له فيها ، بأن أصاره من فناء أمير المؤمنين ( 10 ) إلى
هامش
( 1 ) في المختار ص 130 : « وقدمه » .
( 2 ) في نفس المصدر : « ووهل » .
( 3 ) سورة لقمان 31 ، الآية 14 .
( 4 ) سورة الإسراء 17 ، الآيتان 23 ، 24 .
( 5 ) حدب فلان على فلان وتحدب عليه : حنا وعطف ، ومنه ولد حدب .
( 6 ) في المختار : « تاللَّه » بدن الواو .
( 7 ) الذحول : ج ذحل ، وهو الثأر .
( 8 ) في المختار : « يتبع » .
( 9 ) يقال : خار اللَّه لك أي آتاك الخير .
( 10 ) في المختار ص 131 : « أمير المؤمنين أيّده اللَّه » .